تلخيص:
كتاب "قواعد التصوف" للشيخ زروق
الباب 1:
خصصه الشيخ زروق للتعريف بعلم التصوف، وضع الطالب له في السياق العام، بأن رده إلى صدق التوجه على اختلاف تعاريفه، وفسر ذلك بأن كلا منها خاضع لتجربة المعرِّف الخاصة وحاله، وأكد أن التعدد في تحديد ماهية الشيء دال على جلالة قدره وبعد إدراك حقيقته.
ثم تكلم في اشتقاقات لفظ التصوف العديدة، منها الصوفة والصفاء و"الصُّفة". وبين أن اصطلاح "التصوف" خاضع لقواعد التركيب العربية، ردا على من زعم أن تسميته تلك بدعة قبيحة.
ليمر بعد ذلك إلى الحديث عن تعدد أحوال الصوفية ومقاماتهم، واختصاص كل منهم بصفة غالبة عليه، بين زهادة وعبادة ومعرفة، وبين طهور في الخلق واستتار عنهم، ورد الكل إلى أصل واحد، وأنها أوجه متعددة لحقيقة واحدة، أصلها الانقطاع عن الخلق والتوجه إلى الحق، إما قلبا، أو قالبا، أو كلاهما.
هذا وقذ ذكر أهم قضايا الكتاب، وهي وجوب الجمع بين الفقه والتصوف، حتى يتم بذلك التحقق للعبد، وإلا فعمله وعلمه إلى ضياع. فكان هذا الباب تعريفا للتصوف، وطرحا للخلاف المتوهم فيه، وجمعا لطرائقه المختلفة في مضمار واحد.
الباب 2:
ذكر الشيخ الفائدة المرجوة من علم التصوف ومقصده، وهي إصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى، وقارن هذا بفائدة الفقه والأصول، وذلك ليبين أن التصوف علم قائم بنفسه كغيره من علوم الشريعة.
ثم تكلم عن شرف علم التصوف، بأنه أشرف العلوم لكونه متعلقا بغاية الخلق ومعرفة الله تعالى وإخلاص العبودية له. وتحدث عن الداعي إلى طلبه ونهوض الهمة لتحصيله، علما وعملا، معرفة وتحققا.
ليمر إلى الحديث عن أهل التصوف، ومن لهم استحقاق الاتصاف بالصوفية دون غيرهم، وميز في ذلك المدعين المزورين، من أهل السلوك الصادقين.
وفي هذا أبرز قاعدة أساسية من قواعد الطريق، في تدبير علوم القوم، وفي المستأهلين لزكاتها، حيث بين أنها لا تسلم لأي كان، بل لم صفا باطنه لتلقيها، وأكد أنه لا بن من التدرج مع طالب المعرفة، ابتداء من الأهم وهي علوم إصلاح القلوب، ليتمكن من السير وفق المنهج الصحيح، ثم إذا ارتقى يكون مستعدا لتلقي علوم الحقيقة، وإلا كان السالك متبعا للهوى. ونص على أن الشيخ، يبذل لكل مريد ما يناسب حالته ونفسه، فهو كالطبيب، مشيرا إلى إمكانية تعارض حكم الشيخ بين مريدين مختلفين، ومعللا ذلك باختلاف حالهما.
ثم عاد الشيخ، إلى محور الكتاب، وهو وجوب الجمع بين علوم الظاهر والباطن، الشريعة والحقيقة، ليربط ما مر ذكره، بهذه القاعدة الكبرى، قائلا: "لا يصح العمل بالشيء إلا بعد معرفة حكمه ووجهه"، وأن التصوف علم وعمل، لا ينفكان عن بعضها البعض، لا بد فيهما من اتباع الشرع والسنة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
بعد ذلك، بين مقام الفقه من التصوف، والفقيه من الصوفي، مصرحا أن الفقيه له الأسبقية العلمية والشرعية على الصوفي، ويصح إنكاره عليه، ولا عكس، لأن الفقيه يعمل بالظاهر ولا يتعداه، أما الصوفي فإنه مرتبط علمه وعمله بالباطن، وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية.
وبين آداب طلب العلم، بما في ذلك علم التصوف، وكيف تكون مبادئ طالب العلم في هذا الباب، من جسن سيرة، وإحكام لمنهج التعلم، وتحل بالإنصات والاستماع الجيد، وطول النفس في التعلم والمذاكرة، وتعاون.
ليختم الباب، بحقيقة الفرق بين الفقه والتصوف، وهي أن الفقه مداره على إثبات الحكم وإسقاط الحرج، والتصوف مداره على طلب الكمال.
الباب 3:
رد العلوم الشرعية إلى أصلها من الكتاب والسنة، وخصص منها الفقه والتصوف بالذكر، مبينا وجه تميز كلاهما عن الآخر، مبينا قاعدة أساسية في معاملة الحق والخلق، لينص على خيرية معاملته سبحانه بالحقيقة، والخلق بالشريعة، وذاك التصوف، أما إذا عاملت الكل بالشريعة فتلك زندقة، وإذا عاملت الكل بالشريعة فذلك التسنن وهو أضعف الإيمان، ومثل بالرجل الذي سأل الشبلي عن زكاة الخمس في الإبل، فقال: "شاة في الواجب، فأما عندنا فكلها لله"، وبنى قوله هذا على سيرة سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وفي إطار التأصيل العلمي للتصوف، بين الشيخ زروق ضرورة رد العلوم إلى أصولها، وأخذها عن أهلها، وتحقيق مسائلها، خاصة علم السلوك، مشيرا بإنصاف إلى عدم اعتبار غلاة الصوفية في هذا الباب، وأنهم غير محسوبين على التصوف، وأكد أنه لا فرق في هذا بين متقدم ومتأخر، بل الله يمن على من يشاء من عباده.
بعد ذلك، نص على قاعدة أساسية كبرى في السلوك، وهي التفريق بين العلم والحال، فمبنى الأول على البحث والتحقيق، ومبنى الثاني على التسليم والتصديق، وإذا اعتبرت هذه القاعدة وتم احترامها، لحلت كثير من الالتباسات والإشكالات العالقة بعلم التصوف، فالحال ذوق وتجربة وجدانية خاصة، لذا فلا يقتدى بالعارف في حاله، لأنه خاص به.
الباب 4:
هذا الباب موضوعه قضية الاتباع، يبين فيه الشيخ لنا من نتبع، وكيف نتبعه، وما الضوابط.
فقد استهل الشيخ هذا الباب بالنص على أن المتبع الأوحد هو مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر من تؤول إليهم الرياسة في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة من بعده، وهم السلف، ابتداء من آل البيات الكرام والصحابة الأفاضل، لاشتمالهم على فضائل قرب العهد بزمن النبوة، ثم التابعين ومن بعدهم، لجمعهم ما تفرق من علوم الصحابة الأجلاء، وضبطهم لمعارف الرعيل الأول حفظا وفهما وتحقيقا. وفي هذا تلميح واضح، لمن أنكر أصالة علم التصوف وانتسب إلى السلف زاعما أنه لم يكن من هديهم، بأن هذا الشأن هو من سَنن أهل القرون الخيرة.
وجعل معظم هذا الباب حديثا عن القرون الأولى، وتكلم عن قضية افتراقهم إلى مذاهب في الفروع، فأصل لذلك، وبين وجه الاختلاف عندهم، وذكر كيف يكون موقع الصوفي من هذا كله، وأنه عليه اتباع مذهب من مذاهب الأئمة الأعلام من التي ترجع لأصل الكتاب والسنة، مع حرصه – رحمه الله – على إظهار أهمية اتخاذ المعلم وطلب علوم الوحيين، وبيان آداب التمذهب، بأن لا يخلط المريد بين المذاهب طلبا للرخص.
ثم أتى على ذكر المذاهب العقدية، وأيها يجب على المريد الأخذ به، فنص على مذهب أهل السنة مع بيان أصوله في التنزيه، وطريقته في التعامل مع قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات جمعا بين العقل والنقل، وتكلم كذلك عن مسألة التأويل، ليوضح أكثر مذهب السواد الأعظم من الأمة: مذهب أهل السنة والجماعة، الذي على المريد اتباعه بغير تردد.
وختم الباب بالحديث عن أعلى السلف مقاما، وهم أهل البيت، فللصوفي علاقة تربطه بهم ليست لغيره، فبين الشيخ مكانتهم، إذ هم الأولياء الأوائل، ومنهم معظم الشيوخ والأقطاب كسيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، ثم تكلم عن أهل المقامات العالية من السلف عموما.
فكان هذا الباب مخصصا لبيان أن القدوة عند الصوفي، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أهل بيته، فأصحابه، ثم من تبعهم من علماء وصلحاء، والمريد يسير على خطاهم في أحكام العقائد والعبادات والمعاملات، لا يحيد عنها، وهذا أصل من أصول الطريقة، وهو الاتباع والامتثال لأهل الله.
الباب 5:
بدأ في هذا الباب – رضي الله عنه – الإمعان في تفصيل ما أجمله في الأبواب السابقة، فقدم له بفصل نظر الصوفي عن غيره من علماء الشريعة كالفقيه والأصولي، إذ أن نظره أخص، فهو موجه لما يحصل به الكمال. ثم بين مراتب الصوفية التي تتحد في الأصل، وهو الإحسان، وتختلف في الفرع، أي بين رتبتي المشاهدة والمراقبة، فالأولى للعارف، والثانية لمن دونه. وزاد في هذه المسألة كلاما، يبين فيه حكمة تعدد الطرق، فكل واحدة منها تناسب سالكا بعينه، وقد قال أهل الله: "إن لله طرائق، بعدد أنفاس الخلائق".
فمسالك أهل التصوف، يجد فيها الكل ضالته، فمنها ما يلائم الأصولي والفقيه والحكيم والمنطقي والمحدث، وكذلك العامي، إلا أن هذا الأخير يلزمه الحذر والأخذ بأيسرها. ولا يأخذ الصوفي العلم إلا عن أهله.
وختم الشيخ هذا الباب بجملة من الضوابط والآداب والأسس التي على الصوفي وطالب علم التصوف التمسك بها، على رأسها تتبع معاني الألفاظ وعدم التوقف عند ظواهر الكلم حتى لا يضيع العلم على طالبه، وذكر بعد ذلك قيما من قيم السلوك كالتقوى والورع والاستقامة، ليأتي على قاعدة عظمى، وهي أن هذه الخصال لا تتحقق للسالك إلا بمصاحبة شيخ صالح، وهذا هو أصل المشيخة عند الصوفية، وقد رده الشيخ في طيات كلامه إلى القرآن والسنة واستدل عليه من الوحي.

تعليقات
إرسال تعليق