Main menu

Pages

حجية خبر الآحاد في المذهب الأشعري

 



 

حجية #خبر_الآحاد في المذهب الأشعري

#الأصول_والفروع

 

لقد واجهت في الأسبوع الماضي مراراً وتكراراً شبهة تفترى على المذهب الأشعري، وقد سمعتها عشرات المرات قبل ذلك، ولا بد أن القراء سمعوها أيضاً، تتلخص هذه الشبهة في أن المذهب الأشعري يرفض "خبر الآحاد" الصحيح، ويرده ولا يقبل الاحتجاج به، فأردت أن أكتب كلمات تدفع هذه الفرية، فأقول:

 

ينبغي أن نوضح ثلاثة أمور مهمة من قبل تصور الموضوع تصوراً صحيحاً

 

أولاً: خبر الآحاد الصحيح، هو الحديث الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنقل العدل الضابط عن مثله من أول السند إلى منتهاه، ولم يصل إلى مرتبة التواتر أو الاشتهار الذي يحصل معه القطع بصحة ذلك الخبر.

 

ثانياً: خبر الآحاد يفيد مضمونه ظناً لا قطعاً، أي: إن الإنسان مهما تفكر في مضمون الخبر سيجد نفسه محتاجاً إلى قرائن ومقويات ترفعه إلى مرتبة القطع، وذلك لأن الراوي قد يخطئ أو ينسى أو يسهو... الخ، وفي هذا احتياط للدين، وليس رفضاً للخبر كما يتوهم بعض الناس، وبالمناسبة فإن هذا أيضاً متفق عليه بين الأصوليين والفقهاء، خلا شرذمة من الناس، وخلا بعض العلماء الذين نقلوا عنهم من غير تحرير لقولهم، فإنهم قالوا: خبر الواحد يفيد القطع، وكانوا يقصدون إذا تأيد بالقرائن والمقويات.

 

ثالثاً: خبر الآحاد الصحيح حجة في الدين، وذلك من المتفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وحجيته نابعة من حجية السنة النبوية نفسها، وحجية خبر الآحاد ثابتة في العقائد وفي الفقه على حد سواء، هذا إجمالاً.

 

أمّا تفصيلاً، ورجوعاً إلى تلك الشبهة السقيمة، فنقول

 

ادّعى بعض المشبهة والمجسمة والحشوية ومن لا يتقنون إلا الافتراء، إرادةً منهم لتنفير عوام الناس من المذهب الأشعري، والتأليب عليه بغير وجه حق، أن الأشاعرة يرفضون خبر الواحد، ومن أراد منهم الدقة قال: إن الأشاعرة يرفضون خبر الواحد في العقيدة خاصة.

 

والجواب:

أهل السنة والجماعة من المتكلمين الأشاعرة والأصوليين الأشاعرة والفقهاء الأشاعرة والمحدثين الأشاعرة وغيرهم من المحققين الذين هم جمهور المسلمين في الواقع ينظرون إلى مسائل الدين على أنها قسمان: أصول اعتقادية، وفروع فقهية.

ثم يجعلون كل قسم على فروع وأصول أيضاً، فيصير الحاصل أربعة أقسام:

الأول: أصول الأصول، كإثبات وجود الله، وصحة الإسلام والنبوة والقرآن، وثبوت يوم القيامة والحساب.  

الثاني: فروع الأصول، كمسألة فناء الروح أو بقائها، ومسألة كون الميزان حسياً أو معنوياً، وبعض خصائص الصراط يوم القيامة.

الثالث: أصول الفروع، كالفرائض العظمى من وجوب الصلاة والحج، أو دلائلها ومصادرها ككون الكتاب والسنة والإجماع والقياس حجة.

الرابع: فروع الفروع، وهي تفاصيل الأحكام الفقهية.

 

فالفروع من هذه الأقسام سواء كانت عقيدة أو فقهاً قد يقبل فيها الظنّ الراجح الغالب، وأما الأصول فلا يقبل فيها إلا القطع واليقين، لأنها أصول ينبغي أن تكون قوية ليبنى عليها غيرها من أحكام الشريعة.

 

وهذا أمر بين واضح، لا تجد اثنين عالمين يختلفان فيه، ولا يكفي في القطع خبر الواحد اتفاقاً، بل نبحث عندئذٍ عما يقويه ويدعمه لنصل إلى مرتبة اليقين، فإن لم نجد لم نترك خبر الواحد رأساً، بل نثبت ما أثبته هذا الخبر ضمن الفروع سواء كانت عقيدة أو فقهاً، وندركه بحسب مرتبة الظن الغالب التي حصلت لنا بخبر الواحد، فلا نكذبه ولا ننزله منزلة العدم، بل نثبته وفق مرتبة الإدراك التي تناسبه.

 

والآن؛ وبعد ما سبق: هل ينكر المذهب الأشعري الاحتجاج بخبر الواحد؟ قطعاً لا ينكره، بل يحتجّ به في ضمن المراتب المناسبة كما سبق، ويرى المتكلمون والفقهاء وجوب الأخذ به في الفقه والعقيدة من باب الظن الغالب من غير إخلال في أي جهة. وما ذكرناه عليه نقول وشواهد ونصوص لها محل آخر

 

ومن فوائد هذا البحث أن يُعلم أن الدين الإسلامي ليس لعباً، وأن المذهب الأشعري دقيق وليس لهواً، وأن هذه المراتب لها آثارها في ضبط التفكير والنظر، ولها ثمراتها في قضايا التكفير.

 

فليراجع الحشوية أنفسهم، فإنهم لا يفرقون بين أصول وفروع، بل ينكرون ذلك، كما يذكر كثير منهم، ويجعلون مخالفة المخالفين لهم واقعة في حيز الكفر والعياذ بالله منهم، أو فيما يفضي إلى الكفر عن قريب، من غير تفرقة بين فقه وعقيدة، بل تراهم يكفرون بالفروع التي وقع فيها الخلاف. والله تعالى أعلم.

 

 

#المذهب_الأشعري

الدكتور جاد الله بسام حفظه الله

منقول من الصفحة الرسمية لدكتور باسم جاد الله حفظه الله ورعاه

reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات