النبوة عند المعتزلة
المعتزلة والشيعة
رأي الفرق الكلامية في النبوة
النبوة بين العقل والنقل
النبوة في لغة العرب مشتقة من نبأ، وهو الإخبار، وأيضا هي بمعنى العلو والارتفاع (1).
وكلّ رسول نبي، والرسول لفظة مشتقة من الإرسال، وتعني التوجيه والبعث (2).
ويرى المعتزلة بأن بعثة الأنبياء واجبة على الله، أي يجب على الله بعثة الأنبياء استنادا على قاعدتهم الصلاح والأصلح، قال يحيى بن مرتضى: {فقد اجمعت المعتزلة على أن العالم محدثا قديما قادرا عالما حيا لا لمعان، ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، غنيا واحدا لا يدرك بحاسة، عدلا حكيما لا يفعل القبيح ولا يريده، كلف تعريضا للثواب ومكن من الفعل وازاح العلة ولابد من الجزاء، وعلى وجوب البعثة حيث حسنت ولابد للرسول من شرع جديد أو احياء مندرس أو فائدة لم تحصل من غيره، وان آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم} (3).
وأما الأشاعرة فيرون بأن بعثة الأنبياء من المسائل الجائزة على الله، قال الإمام أبو الفتوح الشهرستاني: {وإذا كان بعث الرسل من القضايا الجائزة لا الواجبة ولا المستحيلة عند الأشاعرة لكن بعد الانبعاث تأييدهم بالمعجزات وعصمتهم من الموبقات من جملة الواجبات...} (4).
انطلاقا من النصين نستنج بأن المعتزلة والأشاعرة على طرف نقيض، فالأشاعرة يرون بأن النبوة اصطفاء رباني، أما المعتزلة فيرون بأن النبوة واجبة على الله، وهذا تحجير على الله.
وفي هذا المقام نستحضر قول الشيخ ابن تيمية رحمه الله حيث قال: {الرسالة ضرورية للعباد، لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياته وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس كمن مثله في الظّلمات ليس بخارج منها} (الأنعام، الآية:122)، فهذا وصف المؤمن كان ميتا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان} (5).
وقال في موضع آخر: {والنبوة واسطة بين الخالق والمخلوق في تبليغ شرعه وسفارة بين الملك وعبيده،
(1) لسان العرب لابن منظور،الناشر:دار صادر بيروت لبنان،الطبعة الثالثة-1414هجرية، الجزء7، مادة نبأ.
(2)كتاب الشفا للقاضي عياض، المحقق: علي محمد البجاوي، دار الكتاب العربي، سنة النشر: 1404هجرية-1984م، المجلد الثاني، ص 726.
(3) طبقات العتزلة، تأليف: أحمد بن يحيى بن المرتضى، طبعة دار المنتظر بيروت لبنان،عنيت بتحقيقه: سوسنه ديفلد وثلزر، الطبعة الثانية: 1409هجرية-1988م، ص: 23.
(4) الملل والنحل لشهرستاني،الناشر:مؤسسة الحلبي،بدون التاريخ، ج 1، ص:102.
(5) مجموع الفتاوى لأحمد ابن تيمية الحراني،الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة السعودية، ج19، ص:94،93.
ودعوة من الرحمن الرحيم- تبارك وتعالى- لخلقه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
فهي نعمة مهداة من الله-تبارك وتعالى- إلى عبيده، وفضل إلهيّ يتفضل بها عليهم. وهذا في حق المرسل إليهم.
أما في حقّ المرسل نفسه، فهي امتنان من الله يمنّ بها عليه، واصطفاء من الربّ له من بين سائر النّاس، وهبة ربانية يختصه الله بها من بين الخلق كلهم.
والنبوة لا تنال بعلم ولا رياضة، ولا تدرك بكثرة طاعة أو عبادة، ولا تأتي بتجريع نفس أو إظمائها كما يظن من في عقله بلادة.
وإنّما هي محض فضل إلهيّ، ومجرد اصطفاء ربانيّ، وأمر اختياري، فهو جلّ وعلا كما أخبر عن نفسه: {يختصّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} (البقرة: 105). (6)
فالملاحظ بأن الأشاعرة والحنابلة يتفقون في أن النبوة منة من الله عز وجل على هذه الأمة ويقدمون الدليل السمعي على العقلي، عكس المعتزلة الذين يرون بأن النبوة واجبة على الله وبأن الله إذا لم يرسل الأنبياء والرسل فهو ظالم، لأن الله لا يفعل القبيح، والظلم قبيح، إذن لابد من نبي.
ننتقل الآن إلى الحديث عن المعجزة عند المعتزلة، فبعدما قدموا الدليل العقلي في شأن بعثة الأنبياء والرسل، سوف نحاول استقراء بعض نصوص المعتزلة ونتأمل فيها، هل قدموا فيها الدليل السمعي أم الدليل العقلي؟
قال القاضي عبد الجبار رحمه الله: {إن النظر في النبوات يجري مجرى النظر الأول في التكليف، لأنه لابد من أن يخوفه الرسول إن لم ينظر في معجزته بالجهل لمصالحه، كما أن الخاطر إذا ورد خوفه إذا لم ينظر في المعارف من لحوق المضرة بالإقدام على ما يجهل من المعاصي، ويجهل ما يستحق بها على ما رتبناه، فالطريقة واحدة وذلك يبين أنه لابد من القول في وجوب النظر في المعجزة} (7).
يوقفنا هذا النص على جملة من القضايا، أبرزها:
-أن أول ما يجب على المكلف عند سماعه لخبر الرسول الذي يدعي فيه النبوة والإخبار
عن الله تعالى، وهو النظر في هذا الخبر لمعرفه صدقه أو كذبه، لأنه خبر آحاد يحتاج
(6) النبوات لابن تيمية، ج:1،ص:19.
(7) المغني في أبواب التوحيد والعدل، لقاضي عبد الجبار، الجزء15، ص:147.
فيه إلى النظر والاستدلال بالأدلة على صدقه، ليتسنى له بعد ذلك الثقة بالأخبار التي يوردها الرسول عن الله.
-أن النظر في المعرفة السمعية يجب على النفس وجه الإيجاب الذي يجب عليه في النظر في معرفة الله، وهو الخوف الحاصل من ترك هذا النظر لما يلحقه بذلك من ضرر، وهو الجهل بما سوف يقدم عليه من المعاصي، والخوف مما يستحق عليها من العقاب إلى غير ذلك.
فالمعجزة هي الدليل الذي يجب على المكلف النظر فيه، لإثبات صدق النبي وصدق أخباره، بحيث يشكل النظر في المعجزة الأصل في إثبات النبوة وصدقها في التبليغ، وهذا ما أكده القاضي عبد الجبار بقوله: {إنا علقنا وقوع البعثة بمعرفة المعجز، لا أنا نعلق معرفة المعجزات بوقوع البعثة، فصار دلالة المعجز كالأصل لوقوع البعثة وثبوت الشرائع، كما أنّ حصول البعثة فرع عليه (8).
فإذا كانت المعجزة هي الطريق الأول لمعرفة صدق النبي وصدق أخباره، فإن الطريق الآخر يأتي عن طريق "خبر النبي ثابت النبوة بالمعجز، (9) فكلا الطريقين يتوقف على الأمر المعجز، فما حقيقة المعجزة عند المعتزلة؟
المعجزة في اللغة: تأتي على وزن "مقدر"، أما في الاصطلاح الإعتزالي: قال الملاحمي: {المعجزة هي كل حادث من فعل الله تعالى أو بأمره أو تمكينه، ناقض لعادة من بعث إليهم في زمان التكليف، مطابق لدعوى النبوة" (10).
ويعني بقوله بقوله: بأمر الله أو تمكينه، أي كأن يأمر الله ملكا فيرفع الجبال، أو أن يمكن من مدعي النبوة من رفعه. وفي قوله: مطابق لدعوى النبوة: احتراز من ظهور الخوارق على الصالحين والكذابين. وفي قوله: ناقض للعادة، احتراز من الأفعال المعتادة، كطلوع الشمس من المشرق، وإن عجز عنه البشر. وفي قوله: في زمان التكليف، احتراز عن أشراط الساعة، لأنه يزول عنه التكليف (11).
(8) انظر: الملاحي في أصول الدين، ص: 305-306، المغني في أبواب العدل والتوحيد لقاضي عبد الجبار، ج:15، ص: 197-198، أنظر لسان العرب لابن منظور، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ج5، مادة "عجز"، ص:369-372.
(9)أصول الدين للملاحي ، ص:306.
(10) المصدر نفسه، ص: 306.
(11) المصدر نفسه، ص: 306.
يظهر بأن هذا التعريف للملاحي هو تعريف منطقي يعتمد على الحد التام وهو تعريف أرسطي محض.
أما شروط المعجزة عند المعتزلة هي:
بعد أن حدّد شيوخ المعتزلة المقصود من المعجزة، شرعوا ببيان الشروط التي يجب أن تتوافر فيها، حتى تكون دليلا على صدق النّبي في دعواه، وسوف أقتصر على بعض الشروط الرئيسة، من أبرزها (12):
أولا: أن يحدث الفعل المُعجز عقيب دعوى المدعي النّبوة، فلو تقدم على دعوته لما كان دليلا على صدقه، ولما تميز كونه دليلا على صدق مدعي من صدق غيره، كما أن الفعل المعجز لو تراخى عن الدعوى لم يتعلق بها أيضا، إلا إذا ثبت صدق المدعي بمعجز آخر، ففي هذه الحالة يجوز التراخي بعد أن ثبت صدقه، وذلك نحو إخبار النبي عن الغيوب المستقبلية فهي معجزات وإن تأخر ظهورها. (13) يقول الملاحي: {لابد أن يحدث عُقيب دعوى المدعي للنّبوة أو جاريا مجراه، والذي يجري مجراه أن يدعي النبوة ويظهر عليه معجز، ثم تشيع دعواه بين الناس، ثم يظهر معجز من دون تجديد الدعوى، لأنه لمّا ظهر ذلك صار متعلقا بدعواه كالذي ظهر عقبيه} (14).
ثانيا: أن يكون الفعل المُعجز مطابقا لدعوى النبوة، لأنه لو كان على العكس من دعواه لما تعلق بدعوته، فيصير نقض عادة مبتدأ، "وإذا لم يجز، ظهور المعجزات على حد الابتداء، لما فيه من كونه عادة ومصلحة فيجب ألا يصح" (15)، وإلى هذا ذهب جمهور المعتزلة بمن فيهم قاضي القضاة (16).
ومعتقد القاضي عبد الجبار والملاحي يشبه كثيرا متأخري الأشاعرة، لنبدأ عرف الأشاعرة المعجزة بأنها في اللغة بمعنى العجز، وهي ضد القدرة، المقارن لدعوى الرسالة، ومتحدي به قبل وقوعه، غير مكذب، يعجز من يبغي معارضته عن الإتيان بمثله (17).
ويعرفها الشهرستاني: {بأنها فعل خارق للعادة، مقترن بالتحدي، سليم عن المعارضة، يتنزل منزلة التصديق بالقول من حيث القرينة. (18)
(12) المغني في العدل والتوحيد، لقاضي عبد الجبار، الجزء 15، ص:197 وما بعدها، شرح الأصول الخمسة لأحمد بن الحسين، ص: 569-571.
(13) المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار، الجزء 15، ص:213.
(14) الفائق في أصول الدين للملاحي،ص:311.
(15) المغني في أبواب العدل والتوحيد، للقاضي عبد الجبار، ج15،ص:236.
(16)منهاج التحقيق، للقرشي، ص:129.
(17) شرح السنوسية الكبرى، للإمام أبي عبد الله السنوسي، ص:351.
(18) الملل والنحل، لشهرستاني، ج1، ص:102.
كما يعرفها أحد شراح جوهرة التوحيد بأنها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي الذي هو دعوة الرسالة أو النبوة، مع عدم المعارضة (19).
ويعرفها سيف الدين الآمدي بأنها: {كل ما قصد به إظهار صدق المتحدي بالنبوة المدعي الرسالة...} (20).
وكل هذه الآراء فهي لمتأخري الأشاعرة أمثال السنوسي والشهرستاني والآمدي، وسنذكر الآن بعض القيود الشبيهة بالقيود التي ذكرها القاضي عبد الجبار والملاحي وهي قيود وضعها متأخري الأشاعرة وهي كالاَتي:
-أن تكون قولا –كالقرآن- أو فعلا كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أو تركا، كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
-أن تكون خارقة للعادة. والعادة ما درج عليه الناس، واستمروا مرة بعد أخرى، فغير الخارق ليس بالمعجزة، كما إذ قال: آية صدقي طلوع الشمس من المشرق وغروبها من حيث تغرب.
ومن هنا تعلم أن المعجزة إنما تخرق أمرا عاديا ليس إلا، ولا شأن لها بقوانين العقل، وبسبب إهمال هذا القيد، مال بعض الكتاب المعاصرين الذين اافتتنوا بالمنهج العلمي المادي، ولم يتصوروا حقيقة النبوة تصورا شرعيا، إلا إنكار المعجزات الأنبياء، ظنا منهم أنها تخالف قوانين العقل.
فإذا لابد: "إذا كان الله جاعل نظام العالم، وكان مختارا في جعله، أن يقدر على تغييره متى شاء. فالله تعالى في عقيدة المؤمن إذا شاء سلب الأشياء ما جرت سننه فيها، ويكون هذا السلب خرقا منه للعادة، وليس للعقل، حتى يكون محالا، فكما تكون إماتة الأحياء من القتلة بإذن الله، يكون إحياء الموتى بإذن الله تعالى، ولا فرق بين الحالين إلا بكثرة وقوع الأول، وقلة وقوع الثاني، مع تساويهما في الإمكان العقلي....(21)
-أن تكون على يدي مدعي النبوة أو الرسالة، فتخرج الكرامة والمعونة والاستدراج والإهانة من حد المعجزة.
فأما الكرامة فهي ما يظهره الله تعالى على يد عبد ظاهر الصلاح. أما المعونة فهي ما يظهره الله تعالى على يد العوام، تخليصا لهم من الشدة. وأما الاستدراج فهو ما يظهر على يد فاسق خديعة ومكرا. وأما الإهانة فهي ما يظهر على يد الفاسق تكذيبا له، كما وقع لمسيلمة الكذاب، فإنه تفل في عين أعور لتبرأ فعميت الصحيحة، وتفل في بئر لتعذب مياهه فغارت.
-أن تكون مقرونة بدعوى النبوة أو الرسالة حقيقة أو حكما بأن تأخرت بزمن يسير.
(19) شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجوري الشافعي، ص:298.
(20) غاية المرام في علم الكلام لسيف الدين الاَمدي، ص:286.
(21) موقف العقل والعالم والمتعلم من رب العالمين وعباده المرسلين الشيخ مصطفى صبري، الجزء الرابع، ص:32.
-أن تكون موافقة للدعوى. وخرج المخالفة لها، كما إذا قال: آية صدقي انفلاق البحر، فانفلق الجبل.
-أن تكون مكذبة له. فخرج المكذبة، كما إذا قال: آية صدقي: نطق هذا جماد، فنطق بأنه مفتر كذاب.
-أن تتعرض معارضته. فخرج السحر، ومنه الشعوذة، وهي خفة اليد، يرى أن لها حقيقة، ولا حقيقة لها، إذ السحر ليس من الخوارق، لأنه معتاد عند متعاطي أسبابه.
-أن لا تكون في زمان نقض العادة، كزمن طلوع الشمس من مغربها، خرج أيضا ما يقع من الدجال، كأمره للسماء أن تمطر فتمطر....(22).
وذهب جماعة من المعتزلة إلى إنكار المعجزات معتمدين في ذلك على الدليل العقلي ووغلبوه على الدليل السمعي ومن بينهم:
النظام (ت231هجرية)، وهشام الفوطي، وعباد بن سليمان.
فقد قال كل من الفوطي وعباد: {بأن فلق البحر، وقلب العصا حية لموسى، وانشقاق القمر لسيدنا محمد لا تدل على صدق الرسول في دعواه (23)، ومن الواضح أنهما لا ينازعان في ثبوت تلك المعجزات، خصوصا ما ثبت منها بالنص القراَني، وإنما في دلالتها على صدق الرسول في دعواه.
وأما النظام فقد نسب له إنكار سائر معجزات نبينا محمد، كتسبيح الحصا في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، ونازع في ثبوت حادثة انشقاق القمر وطعن في رواية ابن مسعود (24)، وحكم عليها بالكذب الذي لا خفاء به، لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده، ولا لاَخر معه، وإنما يشقه ليكون اَية للعالمين وحجة للمرسلين، ومزجرة للعباد وبرهانا في جميع البلاد، فكيف لم تعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد؟ (25).
وقبل أن أذكر موقف المعتزلة من شبهة النظام السابقة، أود الإشارة إلى أنه قد طرأ تغير على الموقف المعتزلي، وتبدلت اَراؤه تجاه المعجزات الحسية، فقد أثبتوا جميع المعجزات الحسية، فقد أثبتوا جميع المعجزات التي أشار إليها القراَن الكريم والسنة النبوية، وما تواتر به العلم عن طريق الصحابة، وقد أفرد القاضي عبد الجبار كتابا مستقلا للحديث عن هذه الناحية، سماه: "تثبيت دلائل النبوة، كان موقفا فيه لأبعد الحدود، إذ ذكر فيه الكثير من المعجزات وتصدى لمن أنكرها أو نازع في دلالتها على صدق النبي (26).
وقد ذكر الملاحي أن معجزاته كثيرة قد دونها المحدثون في مجلدات كثيرة (27)، بل إنه ذكر أن
(22) شرح جوهرة التوحيد لإبراهيم الباجوري، ص:297.
(23) الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي،تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية، المكتبة العصرية، بيروت لبنان، 1993م، ص:162.
(24) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: انشق القمر على عهد الرسول الله شقين، فقال النبي: {اشهدوا}. البخاري، محمد بن إسماعيل (256هجرية)، صحيح البخاري، تحقيق محمد الناصر، ط1، دار طوق النجاة، بيروت، 1422هجرية، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي اًية فأراهم انشقاق القمر، حدبث رقم: 3636، ج4، ص:206.
أن البعض أوصلها إلى ثلاثة اًلاف معجزة، وبعد أن ذكر الكثير منها، بين أنها من قبيل المتواتر المعنوي، فقال: {والذي قدمناه من ظهور المعجزات عليه وإن رويت بالاَحاد، فإن معناها متواتر، لأن نعلم أنه لا يجوز مع كثرتها واختلاف رواتها أن تكون كلها كذبا، لأن مثلها لا تتفق في الكذب، فجرت مجرى الأخبار عن سخاء حاتم وشجاعة علي، لأن أخبار الاَحاد عن ذلك، لما كانت كثيرة علم معناها وهو سخاؤه وشجاعته، بل هذا فيه أولى، لأن معجزاته المروية على أضعاف ما يروى في شجاعة علي وسخاء حاتم، حتى قيل إنها تبلغ ثلاث اَلاف، وكذلك إخباره عن الغيوب لكثرتها يعلم أنه أخبر عن الغيوب، والخبر عنها لا يستدرك بالتبخيت والاتفاق، فلا بد له من طريق، ولا طريق له إلا الوحي، واطلاع الله إياه عليها} (28).
وقد أشار القاضي عبد الجبار إلى: {أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القراَن الكريم، يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقراَن} (29)، وهذه نصوص تؤكد تواترها، بل إن القاضي يذكر عددا من متقدمي المعتزلة، كالعلاف (235هجرية) (30)، والجاحظ (ت255هجرية) (31)، ومحمد بن شبيب (32)، وأبي عمر الباهلي (33)، وأمثالهم من القدماء، يدعون في كتبهم التي صنفوها في النبوة- في المعجزات التي ليست في القراَن-العلم الضروري (34)...
وأما عن أبي الحسين البصري وأصحابه فقد ذهبوا مذهب قاضي عبد الجبار وأصحابه في جواز وقوع المعجزات سواء رويت اَحادا أو بالتواتر.
(25) تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار الهمداني، تحقيق: عبد الكريم عثمان، دار المصطفى للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة مصر، 2006م، الجزء الأول، ص:55،57.
(26) نظرية التكليف لعبد الكريم عثمان، ص:102.
(27) الفائق في أصول الدين للملاحي، ص: 328.
(28) المصدر نفسه: ص: 353-354.
(29) المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار، تحقيق: أمين خولي، مراجعة أمين مدكور،إشراف طه حسين، القاهرة جمهورية مصر العربية، الشركة العربية للطباعة والنشر، 1960م، ج16، ص:152.
(30) هو محمد بن هذيل بن عبد الله بن مكحول البصري، من أعلام الطبقة السادسة من طبقات المعتزلة. انظر ترجمته عند القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص:254. البلخي، باب ذكر المعتزلة من مقالات الإسلاميين، ص:69-70.
(31) من أعلام الطبعة السابعة من طبعات المعتزلة. انظر ترجمته عند: القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص:275. البلخي، باب ذكر المعتزلة من مقالات الإسلاميين، ص73.
(32)من أعلام الطبعة السابعة من طبقات المعتزلة. انظر ترجمته عند: القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (415هجرية)، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ومباينتهم لسائر المخالفين، ضمن كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد السيد، تونس، الدار التونسية، 1974م، ص:279.
(33) هو محمد بن سعيد الباهلي، من أعلام الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة، توفي سنة: (300هجرية). انظر ترجمته عند: القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص:310.
(34) تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار،الجزء الثاني، ص:511.
قضية تفضيل الملائكة على الأنبياء والرسل عند المعتزلة:
هذه مسألة كثر فيها الكلام في كتب المتأخرين من أهل العلم أخذا وردا ونقصد بأهل العلم علماء مهما كان مذهبهم سواء كانوا معتزلة أو أهل السنة والجماعة، وطال طولا أخرجها من فائدتها وحدها، وخلاصة ما قيل فيها أن الناس فيها على مذاهبين:
الأول: تفضيل الملائكة مطلقا على البشر، وإليه ذهبت المعتزلة، وبعض الأشعرية المتقدمة من أمثال الباقلاني وابن مجاهد، وابن حزم من الظاهرية.
الثاني: تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة: وهو مذهب جمهور أهل السنة وكذلك جمهور أصحاب الأشعري وهو المنسوب للأشعري (35).
قال البيهقي: {اعلم الأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ماهو به} أي الخلاف في هذه المسألة سائغ.
قال ابن تيمية: {وأقل ما في هذه الاَثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهوار بأهلها، وتفرق الاَراء، فقد كان ذلك المستقر عندهم}. (36) وقال: {قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالح البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس ولو كان هذا منكرا لأنكروه فدل على اعتقادهم لذلك} (37).
لهذا فالمعتزلة قدموا الدليل العقلي على السمعي في مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء والرسل، وأما في قضية كرامات الصالحين فمن جوز وقوع المعجزات جوّز وقوع كرامة الأولياء ومن قال بالامتناع فقد منع حتى كرامات الصالحين.
والله أعلم وأحكم.
لو تكرمتم اضغط على الرابط اذا اردتم:
(35) مقالات الإسلاميين لأشعري، ص:48.
(36) مجموع الفتاوى لابن تيمية، الجزء 4، ص:369.
(37) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج4، ص:371..
تعليقات
إرسال تعليق