قال العلامة عبد الواحد
ابن عاشر رحمه الله:
يجب لرسل الكرام
الصدق***** أمانة تبليغهم يحق
محال الكذب والمنهي*****
كعدم التبليغ يا ذكي
الشرح:
الجزء الأول:
قد تقرر أنه يجب على كل
مكلف أن يعرف ما يجب في حق مولانا تبارك وتعالى وما يستحيل عليه، وكذا ما يجب أن
يعرف مثل ذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولما فرغ الناظم من القسم الأول
شرع في الثاني، ويحسن هنا قبل الشروع في شرح الأبيات أن نبين مسألة مهمة وهي:
الفرق بين النبي والرسول
حيث إن النبي والرسول
يشتركان في الوحي، فكل قد اوحى الله إليه بشرع يعمل به لتبليغه لناس، غير أن
الرسول يأتي بنسخ بعض شرع من قبله أو بشرع جديد.
فالرسول ينزل عليه الوحي
بشرع يعمل به ويوحي إليه بنسخ بعض شرع من قبله، أي ينسخ بعض الأحكام التي كانت في
زمن الرسول الذي قبله أو ينزل عليه حكم جديد لم ينزل على من قبله من الأنبياء، هذا
يقال له رسول، أما الذي لم ينزل عليه شيء جديد إلا أن يعمل بشريعة الرسول الذي
قبله كان أمر فقيل له بلغ شريعة موسى مثلا، فهذا يقال له نبي ولا يقال له رسول.
وقد ورد أن عدد الأنبياء
مائة وأربعة وعشرون ألف نبي فيهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا أخرجه ابن حبان وصححه،
أولهم سيدنا اَدم وءاخرهم سيدنا محمد وخيارهم محمد ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم
نوح صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأما حديث: {لا تخيروا
بين الأنبياء} رواه البخاري ومسلم، فمعناه: لا تدخلوا في التفضيل باَرائكم لأن
التفضيل بين الأنبياء بالرأي لا يجوز إنما التفضيل بالوحي، فمن أخبر الله تعالى
أنهم أفضل من غيرهم من الأنبياء فهم الأفضلون أما نحن باَرائنا لا نفضل، فالنبي
غير الرسول، فالنبي يوحى إليه ليتبع شرع رسول قبله ليبلغه.
فهذا الفرق بين النبي
والرسول هو الصحيح، وأمل ما ذكره بعض المتأخرين في مؤلفاتهم من أن النبي من أوحى
إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فهو فاسد بعيد من معنى النبوة فليحذر، وهذا التفسير
الصحيح ذكره كثير كالإمام الجليل شيخ الشافعية والأشاعرة أبي منصور البغدادي
والقونوي شارح العقيدة الطحاوية والمناوي.
فلذلك قال العلماء: {كل
رسول نبي وليس كل نبي رسولا}، ثم أيضا يفترقان في أن الرسالة يوصف بها الملك
والبشر والنبوة لا تكون إلا في البشر.
والرسل أفضل من الأنبياء،
والرسالة يوصف بها الملك والبشر، أما النبوة فلا تكون إلا في البشر، الملائكة فيهم
رسل منهم جبريل عليه السلام فهو رسول من الملائكة، فكذلك يوجد غيره يرسله الله إلى
الملائكة ليبلغ الوحي، الله تعالى يأمرهم بأن يبلغوا طائفة من الملائكة بأمر، قال
تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا} (سورة الحج) الله يختار من بين الملائكة
رسلا ومن بين البشر رسلا فجبريل سفير بين الله وبين الأنبياء والرسل من البشر وبين
الملائكة أيضا.
ومما يجب للأنبياء الصدق
ويستحيل عليهم الكذب وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معروفا بين أهل مكة
بالأمين لما عرف به من الصدق والأمانة والنزاهة، فلم يجرب عليه كذبة قط كل المدة
التي قضاها قبل أن ينزل عليه الوحي وهي أربعون سنة، فالكذب نقص ينافي منصب النبوة.
ويجب للأنبياء الفطانة أي
الذكاء فكلهم كانوا أذكياء فطناء أصحاب عقول كاملة قوية الفهم.
وما يستحيل على الأنبياء:
ويستحيل عليهم البلادة
والغباوة فليس فيهم بليد أي من هو ضعيف الفهم لا يفهم الكلام بسرعة إلا بعد أن
يكرر عليه عدة مرات ولا من هو ضعيف عن إقامة الحجة لمن يعارضه بالبيان وليس فيهم
من هو غبي أي فهمه ضعيف لأنهم لو كانوا أغبياء لنفر الناس منهم لغباوتهم، والله
حكيم لا يفعل ذلك، فإنهم أرسلوا ليبلغوا الناس مصالح ءاخرتهم ودنياهم، والبلادة
تنافي هذا المطلوب منهم.
وما يجب للأنبياء:
ويجب للأنبياء الأمانة فيستحيل عليهم
الخيانة في الأقوال والأفعال والأحوال فإذا استنصحهم شخص لا يكذبون عليه فيوهمونه
خلاف الحقيقة وإذا وضع عندهم شخص شيءا لا يضيعونه.
والأنبياء سالمون من الكفر والكبائر وصغائر
الخسة أي التي تدل على دناءة النفس كسرقة حبة عنب قبل النبوة وبعدها وهذه هي
العصمة الواجبة لهم، ويجوز عليهم ما سوى ذلك من المعاصي لكن ينبهون فورا للتوبة
قبل أن يقتدي بهم فيها غيرهم.
وبهذا يجاب عما قاله بعض المتأخرين من
الأشاعرة كالسنوسي في كتبه الثلاثة الكبرى والوسطى والصغرى، وابن عاشر من
المالكية، حيث أوجبوا للأنبياء العصمة من الحرام والمكروه محتجين بأنه لو كان يحصل
منهم معصية ما أو مكروه لانقلبت المعصية والمكروه طاعة لأننا مأمورون بالاقتداء
بهم، يقال: إن ذلك يندفع بما ذكر أن الله تعالى يلهمهم التوبة من ذلك قبل أن يقتدي
بهم أحد وبذلك يزول المحذور.
والصحيح ما قاله السنوسي وابن عاشر لأنه هو
المعتمد عند السادة الأشاعرة حاليا.
والله أعلم وأحكم
انتهى

تعليقات
إرسال تعليق