Main menu

Pages

 

هل التصوف من الإسلام؟



ثم يختمون العلماء المنظومات والمتون بالتربية القلبية، والتصوف بمعناه السليم، وإنما نقول هذا لأنه قد أسئ إليه حينما باشره العوام والجهلة من الناس فأدخلوا فيه ما ليس منه.

فصار الناس بعد ذلك ينفرون من التصوف كله، هذا في الحقيقة ليس سليما.

فالمقصود من التصوف الذي قدمه العلامة عبد الواحد ابن عاشر وغيرهُ ممن صنف على منهاج السادة المالكية هو أنه بعد العقائد الصحيحة وترسيخها في العقل والفكر، وبعد فقه الفروع من عبادات ومعاملات بأنواعها، بعد ذلك ينبغي أن نتوج هذا العلم، وهذا الفقه، وهذه الأحكام التي حصلناها، أن نتوج ذلك بالعمل، أن نتوج ذلك بأفعال صالحة، أن ننتفع بذلك العلم، وأن لا يكون مجرد أن نحفظ معلومات نظرية فقط، وأن لا نكون مجرد أوعية لهذه المعلومات دون أن نربطها بالواقع، ولابد من الإلتزام بمقتضيات هذا العلم الشرعي الذي أخذناه، فهذا الذي يقوم به علم التصوف أو ما سماه العلامة عبد الواحد ابن عاشر في منظومته "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، بالتصوف، من أجل أن يحملنا ذلك بما فيه من القواعد والمبادئ والضوابط، أي يحملنا على الإلتزام بما علمناه وتعلمناه، والعمل بما تعلمناه وعلمناه، لأن العلم في ميزان شرع الله تعالى لا قيمة له إذا لم يكن مصطحبا للعمل، فلا قيمة لهذا العلم، إذا لم ينفعك هذا العلم في حياتك، ويجعلك هذا العلم راشدا مستقيماً ربانياً، فما قيمة هذا العلم الذي تحمله؟

العلم في الميزان الشرعي هو الذي يحملنا على الصلاح ويحركنا إلى الإستقامة وصيانة الأنفس وتزكيتها من لا تقع في الموبقات والمهلكات والدناءات...، ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله قوله المشهورة: {من تعلم القراَن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه}.

أي من لم يصن نفسه من الدنايا والرذائل، ومن السفاسف أي الأمور التافهة، ويلزم هذه النفس الجادة وبالسير على الهدى، إذا لم يصن نفسه من هذا فعلمه لا ينفعه، من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. 

فصيانة النفس هي التي كان يخصص لها علم التصوف الذي هو قائمٌ على الكتاب والسنة كما قال الجنيد، وليس على أفهام العوام وأفكار الجهال، لا أبدا. 

التصوف الذي نتحدث عنه هو تصوف العلماء والفقهاء والأئمة الكبار أمثال أبا القاسم الجنيد البغدادي، وأمثال من جاء بعده بقرون طويلة الشيخ أحمد زروق رحمه الله العالم الإمام الفقيه والذي نشرت تلخيص لكتابه قواعد التصوف في هذه المدونة، وكذلك غيرهم وغيرهُم. 

فالمقصود أن التصوف هو علم لهُ قواعدهُ ومسائلهُ وحقائقهُ تنتهي بالشخص إلى تهذيب نفسه وإلى ترشيدها وإلى حملها على العمل الذي أخذه. فكانوا إذن يدرسون العلم والعمل هذه هي الخلاصة {العلم والعمل}. 

فالعلم في كفة أي في شق، والعمل في كفةٍ ثانية، وهذا العمل كانوا يدرسونه من خلال هذا العلم الذي هو التصوف. 

إذن فعبد الواحد ابن عاشر رحمه الله جعل منظومته هذه مكونة من هذه الثلاثية كما سيذكره نفسه، كما ذكر ذلك في مقدمته الأولى: 

قال العلامة عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله تعالى: 

    في عقد الأشعري وفقه مالك           وفي طريقة الجنيد السالك 

          ----- إذن عقائد هي التي يبتدأ بها 

         ------ ثم الفقه وفروعه ومسائلهُ

         ------ ثم الأخلاق والتربية الاَداب وهو ما يسمى بالتصوف

فلا يلفتنكم ما للعامة ولطرقيين من كلام وشطحات وغير ذلك، لا يلفتنكم ذلك ولا يصدنكم عن أن تقبلوا على كتب التصوف الصادرة عن العلماء ومن الفقهاء، لأن هذا أمرٌ نحتاج إليه، ألا ترى أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى جعله في كفةٍ موازية لكفة العلوم كلها {من تعلم القراَن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه} ولذلك كنا ندرس في الابتدائي الأشعار والقصائد والأبيات التي فيها صيانة النفس، ومن ذلك تلك القصيدة التي تنسب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهي التي تبتدأ بقوله: 

        صن النفس واحملها على ما يزينها           تعش سالما والقول فيك جميل 

ضن النفس أي صنها من الأمور السافهة، لا تلقي بنفسك فيما هو من المعرة، ومن سفاسف الأمور، وأيضا من محقرات الأمور، كن عاقلا راشداً، والخطاب دائما للجميع الذكور والإناث. 

ولنكمل الأبيات، حيث قال: 

          واحملها على ما يزينها         تعش سالما والقول فيك جميل 

         ولا ترين الناس إلا تجملا       بنا بك دهر أو جفاك خليلُ

ولا ترين الناس إلا تجملا أي عفةً، لا تري للناس أنك محتاجٌ إليهم، وأنك فقير، وأنك مخصوص، وأنك وأنك، كل ذلك أكتمه، فالله عز وجل قادرٌ على أن يعفك وأن يغنيك على أن تسأل. 

ولا ترين للناس إلا تجملا، والتجمل هو العفة وعدم السؤال كما قلنا سابقا، وعدم الوقوع في المعرات، ولذلك حينما أجاز الفقهاء أن يتزوج الإنسانُ بالمرأة من أجل مالها، قالوا هذه هي العلة، أن يتزوجها من أجل مالها، نعم يجوز، ولكن لماذا؟ 

الجواب: من أجل أن يتجمل بمالها أي ليتعفف بمالها، وكذلك أيضاً يقول الطغرائي في مطلع قصيدته اللامية التي تسمى "لامية العجم": 

                   أصالة الرأي صانتني من الخطل            وحلية الفضل زانتني من العطل

إلى اَخر قصيدته. 


         


reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات