مذاهب العلماء في
الصفات الخبرية:
الصفات الخبرية:
المراد بالصفات
الخبرية مجموع الصفات السمعية التي مصدرها السمع فقط، أو ورود خبر الصادق بها، أو
ما كان طريق إثباتها الكتاب والسنة فقط دون استناد إلى نظر عقلي كصفة الوجه
واليدين والعينين.... وهي تتضمنها نصوص دينية اصطلح على تسميتها بالنصوص
المتشابهة، في مقابل النصوص المحكمة الواضحة التي لا تحتاج إلى تأويل.
وتنقسم الصفات
الخبرية إلى قسمين:
صفات ذاتية: وهي
التي تكون لازمة للذات أزلا وأبدا لم يزل تعالى ولا يزال موصوفا بها. 1
صفات فعلية: ترجع
إلى مشيئته تعالى وقدرته كصفة الاستواء والنزول والإتيان والمجئ....
مذهب السلف والخلف
في الصفات الخبرية:
اعلم أن مذهب
السلف وهم الذين كانوا من أهل العلم قبل القرن الثالث الهجري، وهم الصحابة
والتابعون وتابعوهم رضي الله عنهم أجمعين، والخلف وهم من كان من العلماء بعد نهاية
القرن الثالث الهجري قائم على صرف النصوص المتشابهة عن ظواهرها المستحيلة، واعتقاد
أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا، استنادا إلى اَيات محكمات.
وإذا كان السلف
الصالح والخلف الصالح يتفقون على صرف النصوص عن ظواهرها المستحيلة، فإن السلف
يفوضون معاني هذه المتشابهات إلى الله تعالى وحده بعد تنزيهه عن ظواهرها، وهذا ضرب
من التأويل الإجمالي للنصوص المتشابهة، فإن الخلف اختاروا التأويل التفصيلي للنصوص
المتشابهة، أي حمل اللفظ على معنى يسوغ في اللغة العربية ويليق بالله تعالى. بمعنى
أن ما فعله السادة الأشاعرة وهم من الخلف إزاء هذه القضية هو الاستمرار على مذهب
أهل السنة والجماعة مع: "تأويل المتشابه من الكتاب والسنة وتخريجه على ما عرف
في كلام العرب من فنون مجازاتها، وضروب بلاغاتها مما يوافق عليه النقل والشرع
ويسلمه العقل والطبع".2
وقد سار الإمام
أبو الحسن الأشعري في هذا الموضع على منهج السلف الصالح، وهو يقدم لنا هذا المنهج
القويم في صورة إجماع، وعلى أساسه يثبت الصفات السمعية بنوعيها الذاتية والفعلية.
ففي الباب الذي خصصه هذا الإمام العظيم للأصول التي أجمع عليها السلف وهي "ونبهوا بالأدلة عليها، وأمروا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم بها 3 يذكر أنهم "أجمعوا على أنه عز وجل يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين،وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، من غير أن يكون له جوارح، وأن يديه تعالى غير نعمته.... وأجمعوا على أنه عز وجل يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها... وليس مجيئه حركة ولا زوالا وإنما يكون المجئ حركة وزوالا إذا كان الجائي جسما أو جوهرا، فإذا ثبت أنه عز وجل ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه نقلة أو حركة... وأنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس نزوله نقلة لأنه ليس بجسم ولا جوهر..."4
ويقول في الفصل الذي خصصه لإبانة قول أهل الحق والسنة "....إن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواءا منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال....وأن له سبحانه وتعالى وجها بلا كيف، كم قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام} (سورة الرحمن: الاَية 27). وأن له سبحانه وتعالى يدين بلا كيف كما قال الله تعالى: {خلقت بيديَّ} (سورة: ص، الاَية 75). وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} (سورة المائدة، الاَية: 66). وأن له سبحانه عينين بلا كيف كما قال سبحانه وتعالى: {تجري بأعيننا} (سورة القمر، الاَية 14)...5
ويحدد الإمام
الأشعري معالم المنهج الذي ينبغي اتباعه في باب الصفات عماما وهو ضرب من الإجماع
أيضا فيقرر أن السلف: "اجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه أو
وصفه به نبيه من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف
له لازم".6
وإلى هذا المعنى
يذهب الحافظ ابن عبد البر فيقرر أن: "الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر
في هذه المسألة- مسألة نزول
نزول الله تعالى- وما أشبهها
الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، والتصديق بذلك وترك التحديد
والكيفية في شيء منه...."7
وعلى هذا الأساس
أيضا ينكر الحافظ ابن عبد البر النمري القرطبي بشدة أن تؤول الصفات الخبرية تأويلا
ماديا ملموسا، كما هو الشأن بالنسبة لمن أول حديث النزول من كونه سبحانه وتعالى
ينزل بذاته، وهو على كرسيه. فقد رد ذلك واعتبره ضربا من التكييف الذي لا يصدق إلا
على ذات مشاهدة على سبيل الإحاطة، فضلا على عدم شرعية هذا التأويل. فيقرر أن هذا:
"ليس هذا بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة، لأن هذا كيفية وهم يفزعون منها،
لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانا، وقد جل الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن
العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا وصف نفسه به
في كتابه الكريم، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تتعدى ذلك إلى تشبيه
أو قياس أو تمثيل أو تنظير فإنه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (سورة الشورى،
الاَية 11). وأهل السنة والجماعة مجمعون على الإقرار بالصفات الورادة كلها في
القراَن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا
يكيفون شيءا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة".8
لكن إذا ما
انتقلنا إلى شيوخ المذهب المتأخرين نرى كثيرا منهم كأبي حامد الغزالي وأبي المعالي
الجويني في أحد قوليه، وعبد القاهر البغدادي وأبي المظفر الأسفرايني وسيف الدين
الاَمدي وفخر الدين الرازي وعضد الدين الإيجي و.... يتجهون إلى تأويل الصفات
الخبرية ويجتهدون في إرجاع مضامينها إلى الصفات المعنوية، كان هدف هؤلاء جميعا هو
تحقيق التنزيه بشكل مباشر، وفي صورة مطلقة، اعتمادا على أحكام العقل، وما تزخر به
اللغة العربية من ضروب الاتساع في الاستعارات، فيحملون مثلا لفظ اليدين على
القدرة، والوجه على الوجود، والعينين على البصر...9
مناهج العلماء في توجيه نصوص الصفات الخبرية:
ولمت كانت أكثر النصوص الدينية الواردة في أبواب التوحيد،التي تحتاج إلى فهم عميق في إطار تمثل روح الشرع الحكيم دائما هي الأحاديث النبوية الشريفة، فقد اشتغل بعض علماء العقيدة الأشعرية ببيان معاني هذه الأحاديث، واختيار المعنى الأنسب الذي يصح في أوصافه سبحانه وتعالى، كما فعل الإمام ابن فورك في كتابه "مشكل الحديث وبيانه" فقد اشتغل هذا العالم الجليل بتأويل جملة من الأحاديث النبوية الموهمة للتشبيه والتي تقتضي التأويل حتما مثل حديث "إن الله خلق اَدم على صورته" والقول بأن الهاء ترجع إلى اَدم عليه السلام.... مخالفة لمن أثبت لله صورة ثم قال بأنها لا كالصور، وهو تعبير غير شرعي مفض إلى التشبيه، وهو كما قال العلامة الإمام ابن فورك: "جهل من قائله، وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه".10
وبالنظر إلى سبب ورود الحديث نجد أنه ورد في سياق النهي عن ضرب الوجه، ففي حديث ابن أبي حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فلجتنب الوجه، فإن الله خلق اَم على صورته ".11 أي أن الله تعالى خلق الشخص المضروب على صورة اَدم عليه السلام، وهذا توجيه حسن.
أما حديث
"رأيت ربي في أحسن صورة" فهو حسب تأويل ابن فورك دائما، إما راجع إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى: رأيت ربي في أحسن صورة، أو أن تكون الصورة
بمعنى الصفة، ويرجع ذلك إلى الله، وكلا الوجهين سائغ محتمل...12
ومن الأمور التي
عمل العلماء على تأويلها أيضا مسألة الاستواء، في قوله تعالى: {﴿اَ۬لرَّحْمَٰنُ
عَلَي اَ۬لْعَرْشِ اِ۪سْتَو۪يٰۖ 4﴾ طه:5.
قال الإمام أبو منصور البغدادي رحمه الله وهو من متكلمي الأشاعرة المرموقين: "....فزعمت المعتزلة أنه بمعنى أنه استولى، وهو باطل، لأنه يوجب أنه لم يكن مستوليا عليه قبل استوائه عليه، وزعمت المشبهة أن استواءه على العرش، بمعنى كونه مما لعرشه من فوقه، وبدلت الكرامية لفظ المماسة بالملاقاة....واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن اَية الاستواء من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. وهذا قول مالك بن أنس وفقهاء المدينة كالأصمعي. وقد روى الإمام البيهقي بسنده سمعت يحيى بن يحيى الليثي يقول: كما عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿اَ۬لرَّحْمَٰنُ عَلَي اَ۬لْعَرْشِ اِ۪سْتَو۪يٰۖ 4﴾ {طه: الاَية 4} كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء. ثم قال: الاستواء غير مجهول، وكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر بإن يخرج".13
وقد روي مثل ذلك
عن ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك بن أنس أيضا. وأخرج الإمام البيهقي رحمه الله
بسنده قال: سئل ربيعة الرأي عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿اَ۬لرَّحْمَٰنُ عَلَي
اَ۬لْعَرْشِ اِ۪سْتَو۪يٰۖ 4﴾ {سورة طه، الاَية:4} كيف استوى؟ فقال: الكيف مجهول،
والاستواء غير معقول، ويجب علي وعليكم الإيمان بذلك كله.14
وقد
روي أيضا أن مالكا سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معقول، وكيفيته مجهولة، والسؤال
عنه بدعة، والإيمان به واجب. ومنهم من قال: إن استواءه على العرش فعل أحدثه في
العرش سماه استواء....
وهذا
قول أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى....والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه
الاَية على الملك، كأنه أراد: أن الملك ما استوى لأحد غيره..."15
هذا، وقد تمسك بعض
من قصر نظره من أهل الظاهر، بظاهر قول إمامنا مالك-رضي الله عنه-: "الاستواء
معقول، وكيفيته مجهولة..." بإثبات استواء مادي، وهو خلاف مراد مالك- رحمه
الله- الذي "لم يرد أن الاستواء معلوم الثبوت لله، وحاشاه من ذلك، لأنه يعلم
مدلول الاستواء، وإنما أراد أن الاستواء معلوم من اللغة، وهو الجسماني، وكيفتيه،
أي حقيقته، لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، هي مجهولة الثبوت، لله..."16
ولعل الرواية التي
اعتمدها الحافظ البيهقي من كون الاستواء غير مجهول، أي من حيث وروده في القراَن
الكريم، والكيفية غير معقولة، تزيل اللبس عن ظاهر الرواية المشتهرة على الألسنة
اليوم من كون "الاستواء معلوم..." والتي تنتهي حسب تأويلها إلى التجسيم
بل تنتهي إلى تضارب عقلي واضح.
وقد نقل الحافظ
البيهقي أن متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم قالوا: الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب
في غير اَية، ووردت به الأخبار الصحيحة، فقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه
وطلب الكيفية له غير جائز.17
ومما يحتج به
هؤلاء أيضا في إثبات المكان والجهة التي يتنزه الخالق عز وجل عنها: حديث الجارية:
وأنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ وقالت في السماء، فقال:
اعتقها فإنها مؤمنة. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت لها الإيمان بإثباتها
المكان لله، بل لأنها اَمنت بما جاء به ظواهر أن الله في السماء، فدخلت في جملة
الراسخين في العلم
قال الإمام الباجي وهو مالكي المذهب في
تأويل قول الجارية "في السماء" لعلها تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف كل
شيء من شأنه العلو، فيقال: مكان فلان في السماء، بمعنى علو حاله ورفعته
وشرفه".19
وقد ورد حديث اَخر في الموطأ يرويه الإمام
مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلا من الأنصار جاء
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء، فقال: يا رسول إن علي رقبة
مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت:
نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: اعتقها.20
فهذا الحديث واضح في بيان كيفية الدخول في
الإسلام، وأنه لابد الإتيان بالشهادتين.
وخلاصة مذهب الأشاعرة في هذا الباب، أن
المكلف مخير بين أن يسلم بتلك بالصفات الخبرية، أو تمر كما جاءت، دون أن يعتقد
حقيقة مدلولاتها اللغوية، التي يتنزه الله تعالى عنها، كما هو مذهب السلف الصالح،
وهذا ما عبر عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى اَمنت بالاَيات على مراد الله
واَمنت بالأحاديث على مراد رسول الله أي التفويض. أو تأويلها تأويلا تفصيليا
يصرفها عن ظواهرها المستحيلة كم فعل معظم الخلف الصالح، على نحو تقبله اللغة،
ويشهد له الشرع، وكما قلت سابقا وهذا مذهب معظم الخلف.
وإلى هذا المعنى يشير صاحب جوهرة التوحيد
بقوله:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها21
انتهى والله أعلم وأحكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مصادر ومراجع اعتمدت عليها في صياغة
المقالة:
1- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للإمام البيهقي، ص:61، التمهيد للباقلاني، ص:298.
2- الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، للشيخ أبي العباس أحمد بن خالد الناصري، 1/140.
3- رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري، ص: 205.
4- رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري، ص:225.
5- الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ص:21.
6- رسالة إلى أهل الثغر للإمام الأشعري، ص: 236.
7- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر النمري 7/148.
8- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر 7/144.
9- الإرشاد للجويني، ص:155.
10-

تعليقات
إرسال تعليق