رسائل النورسي في السجن.... القيم التربوية الأخلاقية والجمالية دراسة في تحليل الخطاب
تتنوع
الدراسات التي تهتم بتحليل الخطاب وفك شفراته، وتكاد تجمع على أن الهدف الرئيسي من
توظيف أدواته هي التعريف على ما رواه من أفكار ودلالات عظيمة، وبالنظر إلى رسائل
بديع الزمان النورسي في السجن وجدنا أن لها أهمية بالغة، حيث صدرت في وقت محنة
وابتلاء، مما جعلها معبرة عن تجربة صادقة فنيا، وواقعية موضوعا، ومن ثم يسعى البحث
إلى قراءة هذه التجربة وتحليل خطابها، والكشف عن القيم التربوية والجمالية لهذا
الخطاب، وكملاحظة فهذه الرسائل ذات محتوى وعظي وليست رسائل علمية....
المقدمة:
تتنوع
الدراسات التي تهتم بتحليل الخطاب وفك شفراته، وتكاد تجمع على أن الهدف الرئيسي من
توظيف أدواته هي التعرف على ما وراءه من أفكار ودلالات، فتحليل خطاب ما يسعى إلى
محاولة التعرف على رسائل المتضمنة في الخطاب التي يستقبلها المتلقي، من خلال وضعها
في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، فالخطاب ظاهرة معرفية اجتماعية مركبة لا تتوقف
عند الوظائف اللغوية فحسب.
وهذا يفرض
علينا وضع المتلقي وآليات المتلقي في الاعتبار، ذلك أن الخطاب عند مايكل شورت
اتصال لغوي، يعتبر صفقة بين المتكلم والمستمع، أي نشاطا متبادلا بينهما، وتتوقف
صيغته على غرضه الاجتماعي ومن ثم فإن عناصر تحليل الخطاب تتكون من: المؤلف+
الخطاب+ المتلقي.
لا يمكن
اهمال أي عنصر منها، ورسائل النورسي في السجن لها أهمية كبيرة من جهة تحليل
الخطاب، فهي صدرت في وقت محنة وابتلاء، مما جعلهما كاشفة بصدق عن جوهره ومعدنه،
ففي وقت المحن تظهر معادن الرجال.
وتحمل بين
طياتها فيضا من القيم الجمالية والتربوية التي تجعلها نابضة بالحياة، معبرة عن
الواقع وإشكالياته، يستلهم منها شباب الأمة روح الثبات والصمود المشبعة بالأمل
والتفاؤل، فيعملون بكل جد ونشاط وعزم على إحياء الأمة والأخذ بيدها إلى نور
الإيمان.
جاءت هذه
الدراسة في تمهيد ومبحثين، بالإضافة إلى خاتمة شملن أهم النتائج والتوصيات على
النحو التالي:
أولا تمهيد:
الرسائل ومبدعها
المبحث
الأول: القيم التربوية للرسائل
المبحث
الثاني: القيم الجمالية للرسائل
خاتمة فيها
أهم التوصيات والنتائج.
أولا: تمهيد: الرسائل ومبدعها:
تمثل رسائل
النور لشيخ سعيد النورسي رحمه الله حالة استثنائية في تركيا والعالم الإسلامي، فقد
صدرت في وقت عصيب على الأمة الإسلامية، إذ كانت تجتاح الأمة عاصفة التغريب (ثقافة
الغرب) وما تحمله من سعي دؤوب لطمس الهوية الإسلامية ترغيبا وترهيبا، إبان سقوط
الخلافة العثمانية، فكانت رسائل النور بمثابة شمعة في الظلمات التي تراكمت على
الأمة الإسلامية بسبب الاحتلال ووكلائه في الوطن.
وانهالت على
الأمة الإسلامية كتابات المستغربين والمفتونين بالغرب من أبناء جلدتها، تلك
الكتابات المليئة بالانتقاص من الحضارة الإسلامية عقيدة وفكرا وتراثا وقيما، كما
أنهالت علينا دعوات المستغربين الصريحة لاقتداء أثر الغرب في سلوكه وأخلاقه
ومنهجه، واتخذوا من التطور المادي ستارا لدعواتهم المناقضة لتقاليد الأمة وقيمها،
وكأن العلم والتطور المادي لا يدرك إلا بفساد الأخلاق والتخلي عن فضائلها، والتمسك
برذائلها.
هذا التلبيس
لم يكن عبثا أو جهلا، بل كان- في معظم الأحيان- يصدر عن قصد وعلم، مدعوما بالإرهاب
الرسمي للحكومات التي سامت الأمة الإسلامية أصناف العذاب وألوان القمع من أجل نشر
النمط الغربي في المأكل والملبس والمشرب. وهكذا كان معظم الدول العربية كذلك.
لذا كان صدور
رسائل النور في هذه الظروف حالة استثنائية تتعطش الأمة إليها حماية هويتها وكيانها
من المسخ والطمس.
لقد نجح
الغرب في طمس أمم من قبل مثل: الهنود الحمر (ليزانديان) في أمريكا، والسكان
الأصليين لأستراليا، فكان يعمل- ولا يزال- على أن يجعل من الأمة الإسلامية فلكلورا
في متحف الفنون التاريخية.
ولكن كانت
رسائل النور وصاحبها حائط صد لتلك الرعونات الفكرية والمعنوية، فكانت رسائل النور
أمصالا طعمت بها الأمة الإسلامية ضد هذه الأمراض الجديدة فقد قيض الله تعالى الشيخ
سعيد النورسي رحمه الله لهذه الأمة في جميع الأمصار الإسلامية، فظلت الحمية
الإسلامية متأصلة وقادة متوهجة، قد تخبو ولكنها لم ولن تنطفئ بإذن الله تعالى.
هذا الانطباع
الأول الذي يسري إلى القارئ عندما يطالع سيرة بديع الزمان سعيد النورسي قدس الله
سره الشريفة في العليين، فهو رجل استثنائي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، جاء في
ظروف استثائية وكتب رسائل استثنائية وهي رسائل النور.
تلك هي
الظروف الاستثنائية التي ظهر فيها هذا الرجل الكبير الشأن، فمن هو هذا الرجل؟
ترجمة سعيد النورسي رحمه الله:
هو سعيد
النورسي بديع الزمان (1877- 1960م) الذي سلك من نعومة أظفاره درب العمل للإسلام،
وهدي بفطرته النقية منذ صباه إلى سبيل الحق، فعمل بما عرف، فقد رفضت نفسه الأبية أن يعيش حياة رغيدة فانية وإن طالت ألف ألف سنة، واختار أن يعيش حياة باقية وإن كانت في مشقة وكبد، فالخلود الحقيقي هو في الدار الاَخرة وليس في الدنيا، والسعادة الأبدية في جنات النعيم وليس في الدنيا، والدنيا وإن طالت فهي قصيرة، فقد أدرك النورسي هذه الحقيقة الإيمانية

تعليقات
إرسال تعليق