الدرس الثاني من العقيدة الإسلامية
لشيخ محمد الغزالي رحمه الله
كتاب عقيدة المسلم
ومازلنا في المقدمة من كتاب عقيدة المسلم
لشيخنا محمد الغزالي رحمه الله، وقد انتهينا في الدرس الأول إلى "وفي ضجيج
الخصومة السافرة يعسر البحث عن الحقيقة، ولو أمكن الوصول إليها، فإنه يصعب
الاقتناع بها".
والاَن إن شاء الله تعالى سنكمل المقالة أو الدرس بحول الله تعالى وهو كالاَتي:
ومن الغفلة أن نحسب تكوين العقيدة يتم في
مجلس المناظرة، تتصيًد فيها النصوص، وينشد فيها الغلب، ويلعب فيها بالألفاظ،
ويستغل منطق "أرسطو" في المخاتلة وإيقاع الخصم أمام العامة.
وعفا الله عن أجدادنا: فقد أولعوا بذلك،
وأعانهم عليه أن الدولة الإسلامية كانت سيدة العالم.
فلا بأس على رجالها أن يشتغلوا بالترف
العقلي، وأن يحولوا فراغهم من الج.ه.اد في سبيل الله إلى الجها.د في هذا الميدان
الخطر، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم، ثم ذهب الرجال وبقي الجدال... بقي إلى اليوم
يهدد وحدة الأمة ويهز كيانها.
ومع أن الدولة ال.إسلامية جثت على قدميها
أمام الصليب.ية الغازية، واقترب الخطر على الإسلام من صميم عقائده وصميم دياره،
فإن الريح النّتنة لهذا الجدال ما تزال تهب من بعض الجماعات التي تحترف –للأسف الشديد-
خدمة الإسلام.
ولا أحسب أمة تحتاج إلى وحدة الأفكار
والمشاعر مثل هذه الأمة الإسلامية.
فإذا نشب خلاف على شيء ما، فإن تحويل هذا
الخلاف من الأدمغة المفكرة إلى صفوف الأمة، يعد جريمة في حق الله ورسوله وجماعة
المسلمين...
يقول الأستاذ الجليل المشير "أحمد عزت
باشا"- معلقاً على الخلافات الناشبة في علم الكلام-: " كانت هذه
الخلافات في الأصل مما لا ينبغي أن يتجاوز حدود المناظرات المنطقية والعلمية
والفنية، ولكنا أقحمنا اسم الله في مناقشتنا التي لا معنى لها.
فحاول كل فريق منا إسناد الكفر والإلحاد
إلى الفريق الاَخر، فقلبنا الخلاف البدائي خصومة دينية لا تهدأ.
فاختلاف الجهمية والمعتزلة نشأ –في أصله-
عن التعبير بأن العبد خالق لفعله، بدل التعبير بأنه فاعل لفعله، وعن تصور
الاستقلال التام في الإرادة البشرية.
وهذه العقيدة – خطأ كانت أو صواباً- صالحة
لتكون موضع مناقشة علمية يستطيع فيها الطرفان مناقضة بعضهما بعضاً ونقده، بل
استجهاله واستحماقه، ولكن المسألة لم تقف عند هذا الحد.
فقالت القدرية: إن عدم القول بعقيدتنا يعني
إسناد الظلم إلى الله في عذاب الاَخرة.
وقال معارضوهم: إنكم تنكرون عموم القدرة
والإرادة الإلهية، وهذا كفر...
نشأ أولا هذا الخلاف، ثم توسع على مرور
الزمن، حتى تولدت منه مبادئ غريبة غير معقولة..." انتهى كلام الأستاذ أحمد
عزت باشا
والولع بالخلاف سرى حتى ضم إلى العقائد
أموراً مضحكة.
فهناك خلاف بين المعتزلة وأهل السنة على
حقيقة السحر، وعلى تكوّن السحب، فأيُّ خلط هذا؟.
وبين المسلمين اليوم نزاع يفصم وحدتهم حول
ما دار بين علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة في مسائل الخلافة.
فهل على وجه الأرض أمة تجتر ماضيها السحيق
لتلوك منه خلافات قاسية كهذه الأمة؟.
ولماذا لا تبقى في نطاق الذكريات التاريخية
التي تُدرس كأي تاريخ لتؤخذ منه العبرة فحسب؟.
وما صلة الإيمان بالله واليوم الاَخر
بحكمنا: إن هذا أصاب، وهذا أخطأ، والله يقول: "تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت
ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كان يعملون" سورة البقرة: 134، 141.
وإني لأقرأ في صحفنا الدينية اليوم نزاعاً
بين أتباع السلف والخلف- كما أسموا أنفسهم- أسمع ألفاظ الكفر تتبادل كما تتبادل
الكرة أرجل اللاعبين فأهز رأسي عجباً...
إن أعراض المرض لا تزال تعرو الأمة
المنهوكة، وما تزال بحاجة إلى عناية الراشدين المخلصين من الأطباء الماهرين.
اَثار هذا الخلاف على العامة:
وقد استقرت رواسب هذا الخلاف الطائش في
أذهان العامة ثم سيطرت على سلوكهم بعدما أخذوا أسوأ ما فيها، ورفضوا أفضل ما فيها.
فإذا اختلف القدامى: هل العمل ضرورة
للإيمان أو كمال فيه؟ ترجح لدى العامة أنه كمال فقط.
فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف ترك العمل.
وإذ اختلف القدامى: هل للإنسان قدرة وإرادة
يفعل بهما ويترك؟ أو هو مقهور مكتوف اليدين؟ ترجح لدى العامة أن المرء لا عزم له
ولا حول ولا طول.
فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف سقوط الهمة
وخور العزيمة.
وإذا تجادل القدامى: هل للمسلم حق الالتجاء
إلى الله دون وساطة الصالحين من الاحياء أو المقبورين؟..
ترجح لدى العامة أن المسلم لا يستغني عن
معونة الأولياء. وأنه إذا ذهب إلى ربه من دونهم فالويل له.
فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف شيوع الشرك
وضعف الصلة برب الأرض والسمااء.
تعليق:
للأسف في هذه المسألة رجح شيخنا محمد
الغزالي رأي الوهابية على رأي جمهور الأمة.
تكملة لكلام شيخنا محمد الغزالي رحمه الله:
وهكذا لصقت بالمجتمع الإسلامي مجموعة خسائس
لا شك في أنها بعيدة الأثر فيما لحقه من اضمحلال وهوان.
وقد بذلت جهدي –حين تصديت لتصوير عقيدة
المسلم- أن أتجنب أشواك هذا الخلاف، فإذا استطعت طيه في السياق المطرد طويته
وتجاهلته. وإذا اضطررت إلى خوضه عالجته على كره، وذكرت ما استبان لي أنه صواب، وقد
أستجهل الطرف المقابل ولا أكفره، لأن الجهل الفاضح- كما يظهر لي- أساس كثير من
المشكلات العلمية المبهمة.
وربما لمحت في اخلاق بعض المجادلين عوجاً،
وفي أسلوبهم عنفاً، فأوثر مغفرة هذا على مقابلة السيئة بمثلها، لأننا أمة فقيرة
جداً إلى التجمع والائتلاف.
فلندفع ثمن هذا من أعصابنا. والمرجع إلى
الله.
-وإذا كان علم التوحيد على النحو الذي
وصفنا، فإن كتبه التي تشيع بيننا الاَن فشلت في أداء رسالتها شكلاً وموضوعاً.
فمن ناحية الشكل لا معنى البتة لعرض علم
ما، في توزيع مضطرب بين متن وشرح وحاشية وتقرير، وفي لغة ركيكة اللفظ، سقيمة
الأداء، لغة تصور سقوط البلاغة العربية على عهد الحكم التركي العثماني.
وتطور الأدب في عصرنا هذا لا ينكر، وقد بلغ
من تمكن المؤلفين والمتأدبين في اللغة أن تناولوا الموضوعات التافهة فأخرجوها في
ألبسة زاهية، ووجهوا ألوف القراء –بسحر بيانهم- إلى ما يريدون.
تكملة المقالة سيكون في الدرس الثالث بحول
الله تعالى الذي سننشره غدا بحول الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مقتطف من كتاب عقيدة المسلم لشيخ محمد الغزالي رحمه الله، ص:6، 7، 8،9

تعليقات
إرسال تعليق