الدرس الثالث من العقيدة الإسلامية
كتاب عقيدة المسلم لشيخنا محمد الغزالي رحمه الله
الحقيقة الأولى
الحقيقة الأولى:
لنكمل على ما انتهينا فيه في المقالة
السابقة، حيث انتهينا في تطور الأدب، والاَن نكمل بحول الله تعالى، حيث قال الشيخ
محمد الغزالي رحمه الله:
فهل يبقى الكلام في العقائد وحدها حكرا على
هذا النمط الزري من الحواشي والمتون؟
على أننا إذا تغاضينا عن الشكل، وتعرضنا
للجوهر بالنقد والتمحيص، لا نلبث أن ندرك أن هذا الجانب الإلهي من الثقافة
الإسلامية طغت عليه الفلسفات الغربية التي نقلها السريان عن اليونان وغيرهم.
فإذا بعلوم العقيدة تتحول عن مجراها
العتيد، وإذا بكتب التوحيد تزدحم باصطلاحات الفلاسفة وطرائق تفكيرهم.
ويبدو أن الأسلاف الباحثين في هذه الناحية
من الإسلام قد فتنهم الإعجاب بما نقله إليهم التراجمة من ثمرات العقل اليوناني.
ولذلك خلطوها خلطاً شديداً بتعاليم الدين.
ولسنا بصدد الحكم على قيمة هذا العمل
وحكمته، وإن كنا ننوه بدلالته على مدى الحرية التي منحها الإسلام أتباعه، وعلى أن
دائرة التي يعمل فيها العقل الإسلامي تسمع العالم أجمع، فليست مغلقة على عصبية جنسية أو فكرة محلية.
غير أن عناصر العقيدة الإسلامية كادت تتيه
وسط هذا الركام من النقول والأقيسة والمصطلحات فوجب تجميعها في نسق متقارب.
ثم إن غرسها في الأفئدة لن يثمر ويزدهر إلا
بأسلوب الإسلام نفسه.
ومن العجيب أنك تقرأ في أمهات الكتب
الكلامية، وتطوي الصفحات الطوال، فلا تكاد تعثر على اَية أو حديث، إلا اقتباسات
يسيرة، تبدو كالزهرات المنفردة في الأرض السبخة.
ربما استراح عشاق البحث الفلسفي المجرد
لهذه الكتب، ولا عليهم، لكن هذا لا يغنينا عن عرض العقيدة الخالصة حقائق تتصل عن
قرب بمصادرها الأولى "والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل".
الحقيقة الأولى:
الله
هذا الاسم الكريم
علم ٌ على الذات المقدسة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا وإليها
مصيرنا.
والله – تبارك
وتعالى – أهل الحمد والمجد، وأهل التقوى والمغفرة، لا نحصي عليه الثناء، ولا نبلغ
حقه توقيراً وإجلالاً.
لو أن البشر—منذ
كتب لهم تاريخ، وإلى أن تهمد لهم على ظهر الأرض حركة- نسوا الله وكفروا به، ماخدش
ذلك شيئا من جلاله، ولا نقص ذرة من سلطانه، ولا كف شعاعاً من ضيائه، ولا غضّ
بريقاً من كبريائه، فهو سبحانه وتعالى – أغنى بحوله وطوله، وأعظم بذاته وصفاته،
وأوسع في ملكوته وجبروته من أن ينال منه وهم واهم، أو جهل جاهل.
ولئن كنا في عصر
عكف على هواه، وذهل عن أخراه، وتنكر لربه، وإن ضير ذلك يقع على أم رأسه، ولن يضر
الله شيئاً.
"ومن النّاس
من يجادل في الله بغير علم، ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنّه من تولاه فأنه
يضله ويهديه إلى عذاب السعير" الحج: 3،4.
وجوده:
وجود الله تعالى
من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته. وليس من المسائل
العلوم المعقدة، ولا من حقائق التفكير العويصة.
ولولا أن شدة
الظهور قد تلد الخفاء، واقتراب المسافة جداً قد يعطل الرؤية، ما اختلف على ذلك
مؤمن ولا ملحد.
"أفي الله
شكٌّ فاطر السموات والأرض" سورة إبراهيم: 10.
وقد جاءت الرسل
لتصحيح فكرة الناس عن الألوهية.
فإنهم وإن عرفوا
الله بطبيعتهم إلا أنهم أخطأوا في الإشراك به، والفهم عنه.
"هذا بلاغ
للناس، ولينذروا به، وليعلموا أنما هو إله واحد" سورة إبراهيم: 52.
"فاعلم أنّه
لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك" سورة محمد: 19.
والبيئة الفاسدة
خطر شديد على الفطرة، فهي تمسخها وتشرد بها، وتخلف فيها من العلل ما يجعلها تعاف
العذب وتسيغ الفج.
وذاك سر انصراف
فريق من الناس عن الإيمان والصلاح، وقبولهم للكفر والشرك. مع منافاة ذلك لمنطق
العقل وضرورات الفكر وأصل الخلقة.
"إني خلقت
عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فأجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت
لهم...".
وقد اقترنت حضارة
الغرب –التي تسود العالم اليوم- بنزوع حاد إلى المماراة في وجود الله، والنظر إلى
الأديان- جملة- نظرة تنقص، أو قبولها كمسكنات اجتماعية لأنصارها والعاطفين عليها.
ولا شك أن المحنة
التي يعانيها العالم الاَن أزمةٌ روحية، منشؤها كفره بالمثل العليا التي جاء بها
الدين –من الحق، والإنصاف، والتسامح، والإخاء-.
فلا نجاة له مما
يرتكس فيه إلا بالعودة إلى هذه المثل، يهتدي إليها بفطرته، كما يهتدي سبيله
الجنينُ في ولادته، والفرخ من بيضته.
ومتى هدي العالم
إلى الفطرة، هدي إلى الإسلام، فإن الإسلام هو دين الفطرة.
ولا بأس من سوق طائفة
من الدلائل التي تفتق للذهن الغافل منافذ يبصر بها ويلتفت لما وراءها.
1-
إن الإنسان لم يخلق نفسه، ولم يخلق أولاده،
ولم يخلق الأرض التي يدرج فوقها، ولا السماء التي يعيش تحتها.
والبشر الذين ادعوا الألوهية، لم يكلّفوا أنفسهم مشقة
ادّعاء ذلك.
فمن المقطوع به أن وظيفة الخلق والإبراز من العدم، لم
ينتحلها لنفسه إنسان ولا حيوان ولا جماد.
ومن المقطوع به كذلك، أن شيئا لا يحدث من تلقاء نفسه،
فلم يبق إلا الله.
وقد قرر القراَن الكريم هذا الدليل:
"أم خُلقوا من غير شيءٍ؟ أم هم الخالقون. أم خلقوا
السموات والأرض، بل لا يوقنون" سورة الطور: 35،36.
ويلفت أنظار العرب إلى مظاهر الإبداع في المجتمع الساذج
الذي يحيون فيه.
"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟. وإلى السماء كيف
رفعت؟. وإلى الجبال كيف نصبت؟. وإلى الأرض كيف سطحت" سورة الغاشية: 17-20.
ويسمى
هذا الدليل: دليل الإبداع
2-
لو دخل المرء داراً، فوجد بها غرفة مهيأة
للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة وأخرى للضيافة....الخ، لجزم بأن هذا الترتيب
لم يتم وحده، وأن هذا الإعداد النافع لابد قد نشأ عن تقدير وحكمة، وأشرف عليه فاعل
يعرف ما يفعل.
والناظر في الكون واَفاقه، والمادة وخصائصها، يعرف أنها
محكومة بقوانين مضبوطة، شرحت الكثير منها علوم الطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان
والطب، وأفاد منها الناس أجمل الفوائد.
وما وصل إليه علم الإنسان من أسرار العالم، حاسم في
إبعاد كل شبهة توهم أنه وجد كيفما اتفق.
كلا. إن النظام الدقيق المختفي في طوايا الذرة، مطّرد
فيما بين أفلاك السماء الرحبة من أبعاد:
"تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً
وقمراً منيراً. وهو الذي جعل الليل والنّهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد
شكوراً" سورة الفرقان: 61-62.
"الله الذي سخّر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره
ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً
منه، إنّ في ذلك لاَيات لقوم يتفكرون" سورة الجاثية: 12-13.
وفي
القراَن الكريم اَيات شتّى، تقرر هذا الدليل، ويسمّى: دليل العناية
3-
هل فكرت في هذه السيارات المنطلقة- أعني هذه
الكواكب التي تخترق أعماء الجو- والتي تلتزم مداراً واحداً لا تنحرف عنه يميناً
ولا يساراً، وتلتزم سرعة واحدة لا تبطئ فيها ولا تعجل، ثم نرتقبها في موعدها
المحسوب فلا تخالف عنه أبداً؟.
تكملة هذا المحور في المقالة المقبلة بحول الله تعالى
انتهينااا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعليقات
إرسال تعليق