الحكمة الواحد والخمسون:
قال سيدي أحمد ابن عطاء السكندري رحمه الله: {لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن الحسن الظن بالله فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه}
الشرح:
أي: لا تندم ندما شديدا الذي يزجك إلى ساحة اليأس، هذا خطأ وهذا أشر من عدم الندم.
فاليأس من رحمة الله عز وجل سبب من أسباب مقت الله تعالى للعبد، قال المحدث الحافظ السندي المدني: {ّ"لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك" أي: تلك العظمة (عن حسن الظن بالله) الكريم الجواد الغفار الوهاب الحليم العفو الرؤوف الرحيم، الذي لا ينتفع بالطاعة ولا يتضرر بالمعصية، ولا يعظم عليه أن يغفرها. نعم ينبغي أن يعظم عندك عظمة تمنعك عن العصيان والإصرار على الطغيان، وتحملك على التوبة إلى الحنان المنان.
(فأن من عرف ربه) العظيم الحليم اللطيف البرّ الرحيم (استصغر في جنب كرمه ذنبه) وأي شيء ذنوب العصاة حتى لا يقدر على غفرانها أو يثقل عليه العفو عنها؟؟ ولو كانت الخلائق كلها عصاة بأغلظ العصيان لما بالى أن يصفح عنهم ويغمرهم برحمته ويغمسهم في رأفته، ألا ترى كيف كيف يجر أهل الكفران بالسلاسل إلى الجنان، وأهل العصيان إلى الغفران؟}. (1)
قال عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله: {لما أفهم كلامه أن الندم على المعصية حياة القلب، أشار بهذا إلى أن المراد الندم الذي لا يؤدي لليأس من رحمة الله تعالى، فالمطلوب أن تكون خائفا راجيا، فالخوف يحملك على التوبة من الذنب، والرجاء يطمعك في القبول. فإن من عرف ربه باللطف والفضل والامتنان، واستصغر في جنب كرمه ذنبه أيا كان، قال الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ولله در القائل:
ذنوبي إن فكرت فيها كثيرة ورحمة ربي ذنوبي أوسع
هو الله مولاي الذي هو خالقي وإني له عبد أذل وأخضع
وما طمعي في صالح قد عملته ولكنني في رحمة الله أطمع } (2).
(1) شرح الحكم العطائية، تأليف: محمد السندي المدني، المحقق: نزار حمادي، طبعة مؤسسة المعارف للطباعة والنشر بيروت ولبنان، ص:41
(2) شرح الحكم العطائية، تأليف: عبد المجيد الشرنوبي، طبعة دار ابن كثير دمشق-بيروت، ص:58
تعليقات
إرسال تعليق