الحكمة الثانية والخمسون:
قال سيدي أحمد ابن عطاء السكندري رحمه الله: {لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده}.
الشرح:
معنى هذه الحكمة أن الإنسان عندما يتقرب إلى الله عز وجل بمجموعة من الطاعات التي كلفنا الله بها، إلى جانب ذلك يرى نفسه مقصرا على ما يجب ويرى عمله مستحقرا قليلا تافها، فبهذا العمل يكون أقرب إلى الله عز وجل، ولكن إذا كان عكس ذلك فمثلا لو صلى أعجب بصلاته وإذا زكى أعجب بزكاته وهذا فهو في هذه الحالة أعجب بعمله فقد حجبه عمله عن الله، فهذا الإنسان لا تقبل منه هذه الاعمال.
قال تعالى: {والذين ياتون ما آتو وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (1) أي: يعملون الصالحات ولكن يخافون أن لا تقبل.
وهاهم الصحابة المبشرون بالجنة كانوا مبشرون بالجنة يعني بأنهم ضامنون دخول الجنة فالمضمون أنهم سيتكاسلون لأن الجنة مضمونة، ولكن كان عكس ذلك فقد كانوا سياقون لفعل الخيرات وكانوا يخافون أشد الخوف أن لا تقبل أعمالهم.
فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأحد خدمه، فقد كان ذلك الخدم يريد أن يحمل عليه كيس من الدقيق، فرفض سيدنا عمر بن الخطاب فقال له عمر: {أبتعد عني أتحمل عني وزري يوم القيامة} أي إذا كنت تستطيع إن تحمل عني وزري يوم القيامة فأحمل عليّ هذا الكيس من الدقيق.
وكان عند سيدنا عمر بن الخطاب خاتم نقس عليه عبارة: "كفى بالموت واعظا يا عمر}.
عن عائشة رَضي اللَّه عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَرَ قَدمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لِمْ تصنعُ هَذَا يَا رسولَ اللَّهِ، وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تأخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أكُونَ عبْداً شكُوراً؟ " .متفقٌ عَلَيهِ. هَذَا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المُغيرة بن شُعْبَةَ
قال سيدي أحمد بن عجيبة رحمه الله: {يعني أنه لا عمل أرجى لحياة القلوب من عمل يكون بالله ولله غائبا فيه عما سواه، غير ملاحظ فيه حظوظه وهواه، متبرئا فيه من حوله وقواه، فإذا أظهرته عليه القدرة غاب عن شهوده وصغر في عينه صورة وجوده، لما تجلى في قلبه من عظمة مولاه، فصغر عنده كل ما سواه، فمثل هذا العمل تحيا به القلوب، وتحظى بمشاهدة علام الغيوب، وهو روح اليقين، وهو حياة القلوب العارفين، فإذا أراد الله أن يتولى عبده أنهضه الله للعمل وصغّره في عينه، فلا يزال جادا في عمل الجوارح حتى ينقله إلى عمل القلوب، فتستريح الجوارح من التعب، ولا يبقى إلا شهود العظمة مع الأدب} .
قال سيدي النهرجوري رحمه الله: {من علامات من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه، والغفلة في أذكاره، والنقصان في صدقه، والفتور في مجاهدته، وقلة المراعاة في فقره، فتكون جميع أحواله عنده غير مرضية، ويزداد فقرا إلى الله في قصده وسيره حتى يغنى عن كل شيء دونه}.
قال الشيخ عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله: {أي لا عمل من أعمال البر أكثر رجاءا للقبول الله له، وفي نسخة للقلوب، أي لاصلاحها، من عمل يغيب عنك شهوده، لأنك إن غبت عن شهود عملك، فقد فنيت بربك حينئذ، وصار وجود العمل محتقرا عندك، لاتهامك لنفسك في القيام بحقه. ولذا قال بعض العارفين: {كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك، فذلك دليل على أنه لا يقبل منك، لأن المقبول مرفوع مغيب عنك، وما انقطعت عنه رؤيتك، فذلك دليل على القبول. يشير إلى قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} سورة فاطر، الآية 10.
تعليقات
إرسال تعليق