Main menu

Pages

شرح الحكمة الرابع والخمسين من حكم ابن عطاء الله السكندري رحمه الله

  

قال سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله: { إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا، أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الأثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهوده}.

الشرح:

معنى الحكمة: أي ما أورد الله  عليك الوارد إلا ليردك إليه، والمقصود بالوارد أي الفتح الرباني أو الكشف أو الالهام، وبهذا الفتح تقبل به إلى الله عز وجل، فبهذه الهواتف الإلهية يمكن لك أن تتخلص من الأغيار، والمقصود بالأغيار أي كل ما سوى الله أو غير الله، وعندما تتخلص من الأغيار سوف توجه قلبك لله فقط.

ومثال هذه الهواتف الإلهية ما حصل لبشر الحافي والفضيل بن عياض التي أرجعتهم إلى الله.

وقد قسم سيدي أحمد بن عجيبة الإدريسي رحمه الله الوارد إلى ثلاث أقسام، على حسب البداية والوسط والنهاية، أو تقول: على حسب الطالبين والسائرين والواصلين.

القسم الأول: وارد الانتباه: وهو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين.

القسم الثاني: وارد الاقبال: وهو نور يقذفه الله في قلب عبده فيحركه لذكر مولاه ويغيبه عما سواه.

القسم الثالث وارد الوصال: وهو نور يستولي على قلب العبد، ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه ويغيبه عن شهود حسه...

يقال عبدت الله ألف سنة فلم أرى شيءا، قال المربي: أنت محجوب بنفسك، أي محجوب بالأغيار، والأغيار هي حظوظ النفس من كبر وغرور وغير ذلك.

قال الشيخ عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله: {أي إنما أورد عليك عليك- أيها المريد- الوارد، وهو ما يرد على قلبك من المعارف الربانية واللطائف الرحمانية.

لتكون له، أي بذلك الوارد المطهر لقلبك، عليه سبحانه واردا.

فإن الحضرة منزهة عن كل قلب متكدر بالآثار، متلوث بأقذار الأغيار. ولذا قال المصنف:

{أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار}.

فالأغيار والآثار التي هي أعراض الدنيا وشهوات النفس، غاصبة لك، لحبك لها، وسكونك إليها. فأورد عليك الوارد ليستلمك قهرا من يد من غصبك، ويحررك من ملكية من استقرك، فتكون حينئذ صالحا لعبوديته، ومشاهدا لعظمة ربوبيته.

قال سيدي أحمد بن عجيبة رضي الله عنه: {أي إنما أورد عليك وارد الإقبال، ليؤنسك بذكر الكبير المتعال، فإذا إشتغلت بذكره وغبت عن غيره تسلمك: أي أنقذك من يد لصوص الأغيار}.

قال سيدي أحمد بن عطاء السكندري رحمه الله: {أورد عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك} أي: إنما أورد عليك الوصال، بعد أن أهب عليك نفحات الإقبال، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء، أي اتساع شهودك لربك، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه، وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وأنشد الجنيد:

                وجودي أن أغيب عن الوجود         بما يبدو عليّ من الشهود

فإن وجودك الشبيه بالسجن، وهو شهودك لنفسك، ومراعاتك لحظك.

وشهودك الشبيه بالفضاء في السعة، هو أن تغيب عن ذلك بمشاهدتك عظمة ربك. ولذا قال بعضهم: سجنك نفسك، إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد. 


reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات