الدرس الخامس من شرح الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري رحمه الله
التنمية الروحية
قال سيدي أحمد ابن عطاء السكندري رحمه الله: {الأنوار مطايا القلوب والأسرار، النور جند القلب، كما أنّ الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده، أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار}.
الشرح:
المطية هي الوسيلة، فبواسطة هذه الوسيلة يصل الإنسان إلى مبتغاه، سواء كانت هذه المطية دابة أو آلة، وهذه المطية يركبها لتبلغه إلى الغايات التي لا يستطيع أن يبلغها مشيا تسمى مطية أي يمطيها، والمطية مفرد مطايا.
فالبنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يجعل منه وسيلة إلى مرضاة الله عز وجل.
قال سيدي أحمد بن عجيبة الحسني رحمه الله: {الأنوار التي هي الواردات مطايا القلوب تحملها إلى حضرة علام الغيوب، وهي أيضا مطايا الأسرار تحملها إلى جبروت العزيز الجبار، فالسلوك هداية، والجذب عناية، فوارد الانتباه والاقبال حمله سلوك وارد الوصال حملة جذب، فالأنوار التي هي مطايا القلوب تحملهم على جهة السلوك إلا أنهم محمولون فيه بحلاوة نور الانتباه والإقبال، فصار سلوكهم كأنه جذب.
وأما الأنوار التي تحملها على مطايا الأسرار، فإنها تحملهم على جهة الجذب ممزوجا بسلوك فيكونون بين جذب وسلوك، وهذا الحمل أعظم، والله تعالى أعلم.
ثم بين كيفية السير على هذه المطايا وما يعوقها عن السير فقال:
{النور جند القلب، كما أنّ الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار}.
قال الشيخ أحمد زروق الفاسي رحمه الله: {الظلمة نكتة تقع من الهوى في النفس عن عوارض الوهم فتوجب العمى عن الحق؟ لتمكن الباطل من الحقيقة، فيأتي العبد ويذر على غير بصيرة}.
قال سيدي أحمد بن عجيبة رحمه الله: {قد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة الربانية النورانية المودعة في هذا القالب الجسماني النوراني، وإنما اختلفت أسماؤها باختلاف أحوالها وتنقل أطوارها، ومثال ذلك كماء المطر النازل في أصل الشجر، ثم يصعد في فروعها فيظهر ورقا ثم نورا وأزهارا، ثم يعقد ثمرة ينمو حتى يكمل، فالماء واحد واختلفت أسماؤه باختلاف أطواره، هكذا قال الساحلي في بغيته.
فعلى هذا يكون تقابل القلب مع النفس بالمحاربة كناية عن صعوبة انتقال الروح من وطن الظلمة التي هي محل النفس إلى وطن النور الذي هو الطلب وما بعده.
فالقلب يحاربها لينقلها إلى أصلها، وهي تتقاعد وتسقط إلى أرض البشرية وشهواتها، فالقلب له أنوار الواردات تقربه وتنصره حتى يترقى إلى الحضرة التي هي أصله وفيها كان وطنه، وكأنها جنود له من حيث إنه يتقوى بها وينتصر على ظلمة النفس}.
يعني: أن النور للقلب في كونه يتوصل به إلى مقصده، وهو حضرة الرب، بمنزلة الجند للأمير في كونه يتوصل به إلى مقصوده من قهر أعدائه، كما أن الظلمة التي من وساوس الشيطان جند النفس الأمّارة بالسوء-دون المطمئنة، ومقصد النفس الأمارة الشهوات، والأغراض العاجلة.
فإذا أراد الله أن ينصر عبده، أي يعينه على قمع شهواته، أمد قلبه بجنود الأنوار، وقطع عنه الظلم والأغيار، نسأل الله أن يمدنا بجند الأنوار ويقطع شهوات النفس بكل أشكالها.
إنتهى
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تعليقات
إرسال تعليق