Main menu

Pages

 


 

الحمد لله المتفرد بالجلال، والصلاة والسلام على من تحقق بالكمال، سيدنا أبي القاسم، وعلى آله وصحبه

إن العقلاء من البشر، لا يجدون لأنفسهم مناصا من البحث في حقيقة الكون والحياة، وطلب الجواب عن أسئلة الوجود الملحة. ولقد نفر منهم طائفة استجابوا لدعوة الدين الحق بالتفكر والنظر، فأعملوا عقولهم، وقصروا مجهودهم على الدرس الفلسفي العقدي، فكان منهم أئمة أقتفى الناس آثارهم، كأبي الحسن الأشعري، الذي سار الناس على مذهبه من بعده في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها، وبرز من كل قطر من حمل لواء علم الكلام، ليعلم الناس دينهم، ويواجه أهل الكفر والبدع ليحفظ على المسلمين استقرارهم النفسي في عقائدهم. وكان السبق في هذا الشأن للمشارقة، الذين بدأ الدين والعلم من عندهم، لكن لم يلبث أن صار التفوق لعلماء الغرب الإسلامي في علوم المعقول والكلام والعقيدة، وبرز فيهم علم تلمسان في القرن التاسع الهجري، الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي، صاحب العقائد المحررة الشهيرة

ولقد أخترنا في مقالتنا هذه، دراسة الإمام من جهة كونه متكلما أشعريا، بتسليط الضوء على جملة من أهم آرائه العقدية، وذلك بعد عرض ترجمة مختصرة له وذكر لبعض أحوال عصره، حسب التصميم التالي:  

المحور الأول: ترجمة الإمام السنوسي وعصره

المبحث الأول: الأوضاع العامة زمن الإمام السنوسي 

المطلب الأول: الحالة السياسية

المطلب الثاني: الحالتان الاجتماعية والاقتصادية

المطلب الثالث: الحالة العلمية والفكرية 

المبحث الثاني: ترجمة الإمام السنوسي 

المطلب الأول: إسم الإمام السنوسي ونسبه

المطلب الثاني: مولده ونشأته 

المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته

المطلب الرابع: وفاته

المطلب الخامس: تآليفه وآثاره العلمية 

المطلب السادس: بيان مكانتيه العلمية والسلوكية وقيمته عند العلماء 

المحور الثاني: مذهب الإمام السنوسي العقدي واختياراته

المبحث الأول: أول واجب على المكلف وحكم التقليد في العقائد 

المبحث الثاني: صفات الله تعالى 

المبحث الثالث: التأويل 

المبحث الرابع: الكسب 

فائدة من كلام الإمام السنوسي 

خاتمة 

وبالله التوفيق 

 

نبدأ بالمحور الأول: ترجمة الإمام السنوسي وعصره 

المبحث الأول: الأوضاع العامة زمن الإمام السنوسي 

المطلب الأول: الحالة السياسة

ولد الإمام أبو عبد الله السنوسي في تلمسان أثناء حكم الدولة الزيانية، بعد سنة 830 هجرية اتفاقا، ففي تلك الفترة، كانت العهدة الثانية للملك عبد الواحد، وتلمسان حينئذ تتنازعها أطراف الحفصيين من جهة وبعض الزيانيين فيما بينهم من جهة أخرى، قال الحافظ التنسي: "واستمر الملك للمولى عبد الواحد إلى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فخلعه المولى محمد بن المولى أبي تاشفين المدعو بابن الحمراء على يدي السلطان أبي فارس الحفصي صاحب تونس، فخرج من تلمسان متوجها إلى المغرب" (1)، ففي هذا الوقت كانت تلمسان تحت إمارة ملك زياني هو ابن الحمراء، لكن في قبضة السلطان أبي فارس الحفصي

وسرعان ما توترت العلاقة بين هذين الأخيرين، إذ اكتشف ابن الحمراء أن ولاء نشأ بين سلفه عبد الواحد وأبي فارس الحفصي، قال التنسي: "وكان الموجب لتغير الحال بينه وبين السلطان أبي فارس أن السلطان عبد الواحد لما توجه إلى المغرب كما قدمنا، حاول في حركة إلى تلمسان، فلم يتم له من أمره شيء، فوجه عند ذلك ابنا له إلى تونس، فأكرمه السلطان أبو فارس، وكتب معه إلى أبيه في القدوم على تونس، فأرصد له المولى محمد فأخذ وأتي به إليه، فقتله ووجد عنده كتب التونسي، فكان هذا أول ما أبدى فساد الأمر بينهما. وكانت تنقل قبل ذلك لكل واحد عن الآخر أمور توجب الحقد، فيطوي عليها. فعند ذلك توجه السلطان عبد الواحد إلى تونس، فوعده صاحبها بالانتصار له" (2)، فتمكن من إسترجاع تلمسان من ابن الحمراء بعد محاولتين، وذلك "عندما أبدى محمد بن أبي تاشفين-ابن حمراء- شيء من الاستقلالية في خطبه الجمعية (3)، المحاولة الأولى باءت بالفشل، "وذلك أن بعث -أبو فارس- معهم العلج جا الخير، فلما نزلوا قرب تلمسان خرج إليهم أربابها، فاقتتلوا فكانت على التونسيين (4)، والثانية هي الناجحة، "تحرك إلى تلمسان معه السلطان عبد الواحد، فحصرت تلمسان حصارا قويا ألجأ أهلها إلى القول، فعند ذلك خرج السلطان محمد إلى جهة الغرب، ودخلها السلطان عبد الواحد في رجب سنة إحدى وثلاثين -أي وثمانمائة" (5). وهنا كانت الفترة الثانية لحكم الملك عبد الواحد، والتي ولد خلالها محمد بن يوسف السنوسي سنة 832 هجرية، على قول من الأقوال، وسيأتي بيانه

بعد ذلك، تمكن ابن الحمراء من الإطاحة بعبد الواحد مرة أخرى، فقد "توجه إلى تلمسان مستجيشا بعربها، فدخلها [....] سنة ثلاثة وثلاثين، وقتل السلطان عبد الواحد" (6). 

ثم عاود أبو فارس الكرة لإعادة تلمسان تحت يده، ونجح في ذلك بعد صولة مع السلطان محمد، قال التنسي: "فلما استقر السلطان محمد بحضرة ملكه، ووجه عماله إلى نواحي مملكته، طار الخبر إلى السلطان أبي فارس، فشرع في الحركة من فوره، وتوجه إلى تلمسان، فلما قرب منها خرج السلطان محمد منها [...] وتوجه إلى بني يزناسن فحاصره هناك مدة. ثم زين بعض أصحاب السلطان محمد له قصد أبي فارس مسولا له أن ذلك يزيل موجدته عليه فأطاعه في ذلك، وتوجه إليه، فأظهر له البشر والرحب أياما، ثم قبض عليه وعلى جميع من يعتبر من أصحابه، فكان آخر العهد به، والبقاء لله. [....] ثم رجع السلطان أبو فارس إلى تلمسان [....] فقيل له: من يقوم بمملكة تلمسان؟ فقال: ما أرى لها إلا أحمد العاقل. [....] ثم بويع الملك العاقل [....] أبو العباس أحمد أمير المسلمين [...] وكان دخوله لتلمسان وبيعته في يوم الجمعة غرة رجب سنة أربع وثلاثين وثماني مائة" (7). 

كل هذه الأحداث المتداخلة، والصراعات المحتدمة المتقاربة في الزمان، تنبئ بالاضطراب الذي كان مصيطرا على مدينة تلمسان في الفترة التي ولد فيها السنوسي

أما عن نشأته، فكانت في عهد الملك أحمد العاقل المذكور، وربما كانت ولادته في هذه الفترة سنة 838هجرية. قال التنسي عن الملك العاقل: "فأظهر العدل في الرعية، وسار فيما تملكه بالسيرة المرضية، وبانت في ابتداء أمره شهامة ونجدة [...] ثم عجز بعد ذلك عن النهوض وكل، وتلاشى ما كان له من الهيبة في النفوس واضمحل، واستولى المتغلبون على الأوطان وكثر الثوار من الزناتية والعربان، ودامت دولته اثنتين وثلاثين سنة على هذه الحالة حتى استوفى من الأيام ما كان قد كتبه العلي الأعلى له" (8)، فلقد تعرض حكمه لثورات عديدة، آلت معظمها إلى الانهزام، كثورة أخيه أبي يحيى بن حمو (9)، وثورة محمد المستعين بالله الذي عده التنسي ضمن سلسلة ملوك الدولة (10). 

إلى أن كتب الله لثورة محمد المتوكل النجاح، وله الظفر بالملك سنة 866 للهجرة، قال التنسي: "ولما كانت سنة سنة وستين، نهض مولانا المتوكل من مليانة متوجها إلى المغرب، والنصر أمامه، فاستولى على وطن من بني راشد [....] ثم توجه إلى تلمسان فأقام عليها يومين، ودخل في الثالث، ففر الأمير أحمد [....] ثم بويع الملك [....] مولانا أبو عبد الله محمد -أي المتوكل-" (11). 

ثم ما لبثت تلمسان وعادت إلى الحفصيين مرة أخرى على يد الملك عثمان، حيث "وصل إلى تلمسان [....] فاستولى الخوف على أبي عبد الله- المتوكل- [....] واعترف صراحة بتبعيته له". 

قال الدكتور أبو القاسم سعد الله: "ومن دراستنا لرسالة عبد الرحمان الثعالبي في الجهاد، نعرف مدى تدهور الأوضاع السياسية في وسط البلاد أيضا. ومنها أيضا نعرف مدى ضعف القادة السياسيين وأهمية دور العلماء والمرابطين في قيادة العامة في الحروب ورد غارات الأجانب" (12). 

يتبين من خلال ما ذكر، الهوان الذي عاشته الدولة الزيانية، المتمثل أساسا في التطاحن الأهلي بين بني زيان أنفسهم، وثورات بعضهم على بعض، والخيانات والاغتيالات، وكذلك في تمكن الحفصيين من إحكام قبضتهم على تلمسان، وتحريض الزيانيين بعضهم على بعض، بسبب الضعف الداخلي لبني زيان

هكذا نكون قد أتينا إجمالا على الظروف السياسة التي ولد ونشأ خلالها الإمام السنوسي، حتى نتبين فيما بعد كيف كان تأثيرها عليه وعلى وسطه العلمي

        المطلب الثاني: الحالتان الاجتماعية والاقتصادية

في هذا الباب، يمكن الرجوع إلى بعض كتب النوازل الفقهية، كالمعيار المعرب للونشريسي والدرر المكنونة للمازوني، حتى نستشف منها الوضع الاجتماعي والاقتصادي العام في الجزائر وتلمسان خاصة، في القرن التاسع الهجري. وقد كان هذا أسلوب كثير من الباحثين، منهم الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي نذكر ملاحظات له في المسألة، فقد قال: "وقد كانت القضايا التي تحدث عنها المازوني معبرة عن روح العصر، فالنوازل تدور حول مشاكل سياسية واجتماعية خطيرة، كان مجتمع القرن التاسع يعاني منها، ومن ذلك اللصوصية، والظلم، والغصب، والضرار، وتهريب السلاح، والمصادمات الجماعية، والأوبئة والمجاعات ونحوها، وهي الدوافع التي أرغمت الناس على مغادرة منازلهم وأوطانهم. فالحروب والغارات لم تسمح للفلاحين بالقيام بزراعة الأرض وتوفير الإنتاج، وانعدام الأمن وتراخي قبضة السلطان جعلت الناس يفقدون العدل في الحكم ويعتمدون على أنفسهم في نيل حقوقهم. وهكذا، أصبح العلماء والقضاة، حسب نوازل المازوني، هم الذين يقومون بالسهر على تنفيذ القانون، وأنى لهم ذلك في مجتمع يسوده الفساد والاضطراب" (13)، وكان في هذا العصر شهود الجزائر هجرة عظيمة لمسلمي الأندلس الذين اشتدت عليهم وطأة الإسبان(14). 

فكل هذا التقهقر الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى وفود الأندلسيين، والفوضى العارمة في قطر المغرب الأوسط عامة، وتلمسان خاصة، لم يكن ليمر دون إثراء الحقل الفكري والعلمي، فإن العلم يزكى بكل الظروف، وربما كان الإبداع وليد المعاناة في كثير من الأحيان، وقد يدعو الفساد إلى تحريك همم الأئمة لمواجهته، بالبحث العقدي، والدرس الفقهي، والتربية الصوفية

           المطلب الثالث: الحالة العلمية والفكرية

كل ما مر ذكره، من قلاقل سياسية، وسوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، كان له "عاقبة وخيمة على الحياة الثقافية- يقصد في الجزائر خاصة-. فهاجر بعض العلماء إلى المشرق والمغرب، وربط آخرون منهم مصيرهم ببعض الأمراء، بينما انزوى بعضهم مفضلا الزهد والهروب من أدران الحياة [....] رجالا من أمثال عبد الرحمان الثعالبي، وتلميذه أحمد بن عبد الله الزواوي الحزائري، ومعاصرهما محمد بن يوسف السنوسي، اختاروا حياة العزلة والتصوف وترك الدنيا لأصحابها، والاهتمام بعلوم الآخرة" (15)، ورغم ذلك، لم تكن هجرة بعض العلماء، أو انقطاع آخرين، حائلا وبين الإنتاج العلمي الغزير والنافع، فإنه في هذا القرن- التاسع- يعتبر "من أوفر إنتاج الجزائر الثقافي، ومن أخصب عهودها بأسماء المثقفين أو العلماء، والمؤلفات" (16)، بل إن عدد علماء القرن التاسع الهجري في بلاد الإمام السنوسي وعصره، وفي الأحوال المزرية في عمومها، يفوق عدد العلماء في القرون الثلاثة التي تليه، والتي حقق فيها العثمانيون استقرارا وقوة مقارنة بسابقها، كما ذكر الدكتور سعد الله (17). وفي القرن التاسع، سطع نجم الإمام السنوسي وثلة من العلماء من شيوخه وتلامذته وأقرانه، كأبي عبد الرحمان الثعالبي، والشيخ أحمد زروق، والونشريسي، والفقيه الجلاب والولي الراشدي

             المبحث الثاني: ترجمة الإمام السنوسي

المطلب الأول: إسم السنوسي ونسبه

ألف تلميذه الملالي كتابا مفردا في ترجمته وخصائصه، كل من ترجم للسنوسي لم يجد بدا من الاعتماد عليه، إلا أنه غير مطبوع، فسنكتفي بذكر ما نقله المترجمون عنه

هو الإمام محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي (18)، التلمساني الشريف الحسني(19)، فالسنوسي نسبة لقبيلة بالمغرب(20)، والحسني نسبة للحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أم أبيه(21)، والتلمساني أيضا، نسبة إلى مدينة تلمسان بالجزائر(22). 

     المطلب الثاني: مولده ونشأته

قال التنبكتي في نيل الابتهاج: "وأخبرني قبل موته بنحو عامين أن سنه خمس وخمسون سنة. من الجزء الذي لخصته من تأليف الملالي. قلت: ورأيت مقيدا عن بعض العلماء أنه سأل الملالي المذكور عن سن الشيخ فقال له: مات عن ثلاث وستين سنة، والله أعلم" (23). فهنا روايتان: إحداهما أن موته كان عن سبع وخمسين سنة، أي أن ميلاده كان في سنة 838هجرية تقريبا، والأخرى أنه توفى عن ثلاث وستين سنة، بمعنى أنه ولد في زهاء 832هجرية، والأظهر الأول، لأنه ما أثبته الملالي في كتابه "المواهب القدسية في المناقب السنوسية" وذكره التنبكتي عنه في نيل الابتهاج، أما الثاني فلا يعدو عن كونه رواية عن الملالي وجدها التنبكتي، لذلك نرجح الأعلى سندا والذي أثبته الملالي نفسه، لا من روي وقيد عنه

نشأ الإمام السنوسي خيرا مباركا فاضلا صالحا (24)، وكان والده عالما من علماء تلمسان، ومن رجالاتها الصالحين، فكان لهذا الحظ الأكبر في تكوين شخصية محمد السنوسي العلمية والنفسية

      المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته

لاشك بأن علم  الإمام السنوسي الغزير، وحجيته وقيمته ما كانت لتنشأ من فراغ إلا بالأخذ عن الأئمة المبرزين، والمشايخ الكبار الذين أدركهم، ولم يذخر جهدا في تبليغ علمه إلى من أخذ عنه من تلامذته. ونذكر من جملة هؤلاء:

 -من شيوخه

الفقيه محمد بن أحمد الجلاب (ت 875هجرية)، قال في بستان: "الفقيه العالم أحد شيوخ أبي العباس الونشريسي والإمام السنوسي، وكان السنوسي يقول عنه أنه حافظ لمسائل الفقه، قال الملالي: وذكر كثير من الفقهاء أن الشيخ -يعني السنوسي- ختم عليه المدونة موتين" (25). 

الإمام أبو زيد عبد الرحمان بن محمد الثعالبي (ت875هجرية)، قال العلامة التنبكتي في كفاية المحتاج: "الشيخ الإمام العالم العامل [....] أخذ عنه العلم محمد بن مرزوق الكفيف والسنوسي وأخوه التالوتي وابن عبد الكريم المغربي."(26). قال عبد الحي الكتاني في ذكر ثبت مرويات الإمام الثعالبي: "وبأسانيدنا إلى الشيخ زروق والسنوسي التلمساني كلاهما عنه" (27). 

الولي الصالح الحسن أبركان الراشدي (875هجرية)، قال عنه في نيل الابتهاج: "شهر بأبركان ومعناه بالبربرية الأسود، الشيخ الفقيه الإمام العالم العلم الولي [....] أخذ عن الإمام سيدي إبراهيم المصمودي والإمام الحفيد ابن مرزوق، وعنه الحافظ التنسي وسيدي علي التالوتي وأخوه لأمه الشيخ السنوسي ولازمه كثيرا وانتفع به وكان يقول رأيت المشائخ والأولياء فما رأيت مثل سيدي الحسن أبركان [....] وكان إذا دخل عليه السنوسي تبسم له وفاتحه بالكلام ويقول له جعلك الله من الأئمة المتقين" (28). 

الفقيه الحافظ أبو الحسن التالوتي (ت895هجرية)، أخوه لأمه، قال في البستان: "قال تلميذه الملالي الشيخ الفقيه الحافظ المتقن العالم المتفنن الصالح أبو الحسن، كان محققا متقنا حافظا [....] حدثني أنه قرأ عليه أخوه محمد السنوسي في صغره الرسالة" (29)، وفي الشجرة الزكية: "الفقيه العالم العامل الشيخ الصالح الولي الكامل. أخذ عن الحسن أبركان وأبي إسحاق التازي وغيرهما، وعنه أخوه لأنه الشيخ السنوسي والملالي وجماعة" (30). 

الإمام أبو القاسم الكنابشي، قال في نيل الابتهاج: "ذكر الملالي أنه كان إماما عالما صالحا وورعا، قرأ عليه الإمام السنوسي وأخوه أبو الحسن التالوتي إرشاد المعالي، وعنه أخذ السنوسي التوحيد" (31).

الشيخ أبو الحسن القلصادي (ت891هجرية)، قال في البستان: "قال تلميذه أبو عبد الله الملالي كان رحمه الله عالما فاضلا صالحا شريف الأخلاق سالم الصدر، له تآليف أكثرها في الحساب والفرائض [....] وأخذ عنه شيخنا أبو عبد الله السنوسي جملة من الفرائض والحساب وأجازه جميع ما يرويه عنه" (32).

-من تلاميذته:

أبو عبد الله الملالي، صاحب المواهب القدسية في المناقب السنوسية الذي ترجم فيه ترجمة وافية لشيخه الإمام السنوسي. قال ابن مريم: "وقد جمع تلميذه أبو عبد الله الملالي في أحواله وسيره وفوائده تأليفا كبيرا فيه نحو ستة عشر كراسا سماه بالمواهب القدسية في المناقب" (33). قال محمد بن مخلوف في ترجمة الإمام السنوسي: "وعنه -أي أخذ- من لا يعد كثرة، منهم الملالي" (34)، ونقل ابن مريم في البستان في ترجمة القلصادي قول الملالي: "وأخذ عنه شيخنا أبو عبد الله السنوسي" (35). 

الشيخ أحمد زروق (899هجرية)، قال ابن القاضي في جذوة الاقتباس: "الفقيه الإمام الولي الصالح صاحب التآليف الحسنة في الفقه والتصوف وغير ذلك [....] وأخذ عن عبد الرحمان الثعالبي، [....] والتنسي والسنوسي" (36). قال الإمام السنوسي في نصرة الفقير: "فلما لقيت الشاب أبا العباس أحمد البرنوسي الذي يعرف بزروق [....] فأخذ عنا علوما جما وأخذنا عنه أدبا وسرا" (37). 

ابن أبي مدين (ت915هجرية)، قال ابن عسكر: "الشيخ الإمام [....] كان من العلماء الأعلام" (38)، وجاء في البستان ونيل الابتهاج: "تلميذ الشيخ السنوسي" (39). 

الولي محمد القلعي، قال في البستان: "الفقيه العالم الولي الصالح من أكابر تلاميذ الشيخ الإمام العارف بالله تعالى سيدي محمد بن يوسف السنوسي" (40).

        المطلب الرابع: وفاته

"وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمسة وتسعين وثمانمائة، وشم الناس المسك بنفس مواته، رحمه الله [....] وأخبرني قبل موته بنحو عامين أن سنه خمس وخمسون سنة. من الجزء الذي لخصته من تأليف الملالي" (41)، كذا قال التنبكتي، ولم يختلف في وفاته

       المطلب الخامس: تآليفه وآثاره العلمية

إن العالم المقتدي به، لا تقوم له قائمة بحق حتى يكون له مصنفات ترقى به في مراتب الاجتهاد والتحقيق، فيصير من الذين يحتج بتحريراتهم الأئمة، ولا يستغني عن تقريراتهم الطلبة

والناظر في أحوال علماء الإسلام، لا يكاد يجد  إماما علما، مقدما ومتبعا، إلا وله من التصانيف والمؤلفات النافعة، فإنه لا يذيع صيت العالم مثل ما أنتجه من معين قريحته. أما من لم يترك كتابا تقام له الدروس، فإن علمه يؤول إلى الدروس. وعلى كل حال فهذا الغالب المعتاد

والإمام أبو عبد الله السنوسي لم يكن بدعا من أئمة الإسلام، فإن مؤلفاته سارت بها الركبان، واتخذها أهل العلم مقررات للدرس والحفظ، وأفردوا لها الشروحات والحواشي والتقييدات، بل جعلوا منها أورادا لهم، إذ لم يكن أبو عبد الله إماما في علوم الظاهر فحسب، بل كان وليا عارفا بأسرار العلوم الباطنية الربانية

ولقد اشتهر، بل تواتر من تآليفه عقائده الخمس، المصنفة على طريقة المتكلمين من أتباع إمام أهل السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري، وكلها مطبوع طبعات كثيرة، وعليها من الشروح والحواشي ما لا ينحصر، وهي

1-متن المقدمات، وهو متن لطيف في ورقات معدودات ممهد لدراسة كتب أصول الدين، قال الشيخ سعيد فودة في تقديمه لكتاب شرح المقدمات للإمام السنوسي: "وقد ألفه الإمام السنوسي ليكون ممهدا ومدخلا لدراسة كتبه الأخرى وباقي كتب أصول الدين"، وشرحه الإمام نفسه، والسرسقطي في المواهب اللدنية، ومن المعاصرين الدكتور نعمان الشاوي

2-الصغرى، المعروفة بأم البراهين، قال في خطبة شرحه لها رضي الله عنه: "ومن جملة نعم مولانا العظيمة، ومنحه الفائقة الكريمة، أن وفقنا سبحانه بفضله في هذا الزمان الكثير الجهل لوضع عقيدة صغيرة الجرم، كثيرة العلم، محتوية على جميع عقائد التوحيد، ثم تأييدها بالبراهين القطعية القريبة لكل من له نظر سديد، ثم ختمناها بشيء لم نره سمح به أحد غيرنا من المتقدمين ولا من المتأخرين، وهو أنا شرحنا كلمتي الشهادة التي لا غنى للمكلف عن معرفتها، وإلى عذب مواردها يشتد عطش المتعطشين، وزاد مؤكدا قيمتها مشددا على أهميتها "لا يعدل عندها بعد الاطلاع عليها والاحتياج إلى ما فيها إلا من هو من المحرومين، إذ لا نظير لها فيما علمت، وهي بفضل الله تعالى تزهو بمحاسنها على كبار الدواوين. ولتلميذه الملالي أيضا شرح عليها، وللمارغني شرح سماه طالع البشرى، وللشهاب المقري كذلك، وأرجوزته إضاءة الدجنة بمثابة نظم لها، فقد قال شارحها الشيخ عبد الغني النابلسي: "اشتملت على عقائد السنوسية"، وللبيجوري حاشية عليها. وشرحها أحمد بن عيسى الأنصاري، وقد قام الدكتور عمر عبد الله كامل بتهذيبه مضيفا إليه تعليقات وفوائد من شروح وحواشي عليها وعلى غيرها لعلماء كبار، وجمع كل ذلك في كتاب قيم ونفيس سماه تهذيب واختصار شروح السنوسية

3- صغرى الصغرى، وهي اختصار لأم البراهين، شرحها الإمام السنوسي وقال في خطبة الشرح: "فقد وضعت جملة مختصرة، فيما يجب على المكلف اعتقاده في حق الله تعالى، وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام، على وجه يخرج به المكلف من ظلمات الجهل والتقليد". 

4- الوسطى، قال فيها: "فهذه جمل مختصرة يخرج المكلف، بفهمها إن شاء الله تعالى، من التقليد المختلف في إيمان صاحبه، إلى النظر الصحيح المجمع على إيمان صاحبه" وله عليها شرح

5- الكبرى، والتي سماها: "عقيدة أهل التوحيد، المخرجة بعون الله من ظلمات الجهل وربقة التقليد، المرغمة بفضل الله تعالى أنف كل مبتدع عنيد" وفي تسميتها هذه ما يغني عن التعريف بها وبمضمونها. له عليها شرح اسمه عمدة أهل التوفيق والتسديد، وشرحها الشيخ عليش والديماني، وللشيخ اليوسي على شرحها حواش مشهورة وكذا لأبي العباس المنجور حاشية

وكل السابق مطبوع طبعات عديدة ومتداول. ومن المعاصرين الذي ولوا عقائد الإمام السنوسي ومتونه اهتماما بالغا، واعتنوا بها تحقيقا وتعليقا وتدريسا للطلاب وشرحا، بالمكتوب والمسموع، الشيخ النظار سعيد فودة

ومن تصانيفه كذلك في العقائد والمعقول

1- المنهج السديد في شرح كفاية المريد، وهو شرح على الجزائرية: مطبوع

2- العقد الفريد في شرح مشكلات التوحيد

3- توحيد أهل العرفان ومعرفة الله ورسوله بالدليل والبرهان

4-الحقائق في تعريفات مصطلحات علم الكلام 

5-شرح على إيساغوجي

ومن تصانيفه في علوم أخرى:  

1- مكمل إكمال الإكمال على صحيح مسلم، مطبوع

2- شرح نظم الحباك في الاسطرلاب

3- شرح، غير مكتمل، على رجز ابن سينا في الطب 

4- شرح، غير مكتمل، على الشاطبية الكبرى

5- مختصر حاشية التفتازاني على الكشاف 

6- شرح، غير مكتمل، على صحيح البخاري

7- شرح مشكلات البخاري: مطبوع 

مؤلفاته أكثر مما ذكرناه، في علوم الشرع وغيرها

قال التنبكتي: "وأما تآليفه فقال الملالي: منها شرحه الكبير على الحوفية المسمى المقرب المستوفي، كبير الجرم كثير العلم، ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما [....] وعقيدته الكبرى سماها عقيدة التوحيد في كراريس من قالب الرباعي، أول ما صنفه في الفن، ثم شرحها، ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسا، ثم الصغرى وشرحها في ست وهي من أجب العقائد لا تعادلها عقيدة، كما أشار إليه هو. [....] وعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى وشرحها أربع كراريس، وفيه فوائد ونكت، والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى قريبة منها جرم وشرحها خمس كراريس، وشرح أسماء الحسنى في كراريس

وذكر ابن مريم مصنفاته: "وشرحه العجيب على صحيح البخاري، لم يكمله، وصل فيه إلى باب 'من استبرأ لدينه'، وشرح مشكلات البخاري في كراسين، ومختصر الزركشي على البخاري، ومختصر حاشية التفتازاني على الكشاف، وشرح مقدمات الجبر والمقابلة لابن الياسمين، وشرح جمل الخونجي في المنطق [....] وشرح رجز ابن سينا في الطب لم يكمل، ومختصر في القراءات السبع، وشرح الشاطبية الكبرى لم يكمل". 

وقال ابن عسكر: "وعقائده





reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات