Main menu

Pages

شرح بعض الحكم العطائية وبعض قواعد التصوف

 

 شرح بعض الحكم العطائية وبعض قواعد التصوف 

الحكم العطائية

قواعد التصوف 

التأصل لعلم السلوك 

الحكمة الواحد والخمسون:

قال سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله: { لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله}

الشرح:

أي: إذا إستهان المريد بالصغيرة فربما تكون عند الله شيء عظيم، إذا أرتكب المريد كبيرة وقع فيها خطأ فأنكسرت نفسه بسبب هذه الكبيرة فربما يغفر الله له بسبب هذا الانكسار، وفي هذا المقام يقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله: {معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا}.

قال السندي رحمه الله: {لأنه إذا فتح باب فضله تلاشت الكبائر في جنبه، بل إذا شاء بدلها حسنات، ولم يبال به، هو ربّ عادل، إذا فتح باب جلاله خاف أفضل الخلائق من عدله، كريم إذا فتح باب جماله طمع أكثر الكفار في فضله.

إلهي إن أحببتني بكرمك من غير استحقاق مني لذلك غفرت سيئاتي لأن الكريم إذا أحب عفا، فأحببني بفضلك كي أفوز بكرامتك وإن مقتني وأبغضتني لسوء أعمالي وقبح أفعالي وخبث باطني لم تقبل حسناتي – إن كانت- لأنها تصير هباء منثورا عند غضبك، وفلا تمقتني يا سيدي كي لا أبتلى بالبلية} (1).

قال الشيخ عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله: {أي لا صغيرة من ذنوبك، بل كلها كبائر، إذا قابلك عدله تعالى. فإن صفة العدل إذا ظهرت على من أبغضه الله تعالى، تلاشت حسناته، وعادت صغائره كبائر، لأنه يعذبه على أصغر ذنب. ولا كبيرة إذا واجهك فضله، وهو إعطاء الشيء بغير عوض، فإن صفة الفضل إذا ظهرت لمن أحبه اضمحلت سيئاته، وبدّلت حسنات، وأنا أقول كما قال الإمام الشاذلي رحمه الله: {اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت، فالإحسان لا ينتفع مع البغض منك، والاساءة لا تضر مع الحب منك} (2).

 

(1)            شرح الحكم العطائية، تأليف: الشيخ محمد السندي، ص:41.

(2)            شرح الحكم العطائية، تأليف: الشيخ عبد المجيد الشرنوبي، ص:58.

 

الحكمة الثانية والخمسون:

قال سيدي أحمد بن عطاء السكندري رحمه الله: {لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده}. 

الشرح:

معنى هذه الحكمة أن الإنسان عندما يتقرب إلى الله عز وجل بمجموعة من الطاعات التي كلفنا الله بها، إلى جانب ذلك يرى نفسه مقصرا على ما يجب ويرى عمله مستحقرا قليلا تافها، فبهذا العمل يكون أقرب إلى الله عز وجل، ولكن إذا كان عكس ذلك فمثلا لو صلى أعجب بصلاته وإذا زكى أعجب بزكاته وهذا فهو في هذه الحالة أعجب بعمله فقد حجبه عمله عن الله، فهذا الإنسان لا تقبل منه هذه الأعمال.

قال تعالى: {والذين ياتون ما آتو وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}  أي: يعملون الصالحات ولكن يخافون أن لا تقبل.

وهاهم الصحابة المبشرون بالجنة كانوا مبشرون بالجنة يعني بأنهم ضامنون دخول الجنة فالمضمون أنهم سيتكاسلون لأن الجنة مضمونة، ولكن كان عكس ذلك فقد كانوا سياقون لفعل الخيرات وكانوا يخافون أشد الخوف أن لا تقبل أعمالهم.

فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأحد خدمه، فقد كان ذلك الخدم يريد أن يحمل عليه كيس من الدقيق، فرفض سيدنا عمر بن الخطاب فقال له عمر: {أبتعد عني أتحمل عني وزري يوم القيامة} أي إذا كنت تستطيع إن تحمل عني وزري يوم القيامة فأحمل عليّ هذا الكيس من الدقيق.

وكان عند سيدنا عمر بن الخطاب خاتم نقس عليه عبارة: "كفى بالموت واعظا يا عمر}.

عن عائشة رَضي اللَّه عنها أَنَّ النَّبِيَّ  كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَرَ قَدمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لِمْ تصنعُ هَذَا يَا رسولَ اللَّهِ، وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تأخَّرَ؟ قَالَأَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أكُونَ عبْداً شكُوراً؟ " متفقٌ عَلَيهِ. هَذَا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المُغيرة بن شُعْبَةَ.

قال سيدي أحمد بن عجيبة رحمه الله: {يعني أنه لا عمل أرجى لحياة القلوب من عمل يكون بالله ولله غائبا فيه عما سواه، غير ملاحظ فيه حظوظه وهواه، متبرئا فيه من حوله وقواه، فإذا أظهرته عليه القدرة غاب عن شهوده وصغر في عينه صورة وجوده، لما تجلى في قلبه من عظمة مولاه، فصغر عنده كل ما سواه، فمثل هذا العمل تحيا به القلوب، وتحظى بمشاهدة علام الغيوب، وهو روح اليقين، وهو حياة القلوب العارفين، فإذا أراد الله أن يتولى عبده أنهضه الله للعمل وصغّره في عينه، فلا يزال جادا في عمل الجوارح حتى ينقله إلى عمل القلوب، فتستريح الجوارح من التعب، ولا يبقى إلا شهود العظمة مع الأدب} .

قال سيدي النهرجوري رحمه الله: {من علامات من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه، والغفلة في أذكاره، والنقصان في صدقه، والفتور في مجاهدته، وقلة المراعاة في فقره، فتكون جميع أحواله عنده غير مرضية، ويزداد فقرا إلى الله في قصده وسيره حتى يغنى عن كل شيء دونه}.

قال الشيخ عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله: {أي لا عمل من أعمال البر أكثر رجاءا للقبول الله له، وفي نسخة للقلوب، أي لاصلاحها، من عمل يغيب عنك شهوده، لأنك إن غبت عن شهود عملك، فقد فنيت بربك حينئذ، وصار وجود العمل محتقرا عندك، لاتهامك لنفسك في القيام بحقه. ولذا قال بعض العارفين: {كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك، فذلك دليل على أنه لا يقبل منك، لأن المقبول مرفوع مغيب عنك، وما انقطعت عنه رؤيتك، فذلك دليل على القبول. يشير إلى قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} سورة فاطر، الآية 10.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله: { إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا، أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الأثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهوده}.

الشرح:

معنى الحكمة: أي ما أورد الله  عليك الوارد إلا ليردك إليه، والمقصود بالوارد أي الفتح الرباني أو الكشف أو الالهام، وبهذا الفتح تقبل به إلى الله عز وجل، فبهذه الهواتف الإلهية يمكن لك أن تتخلص من الأغيار، والمقصود بالأغيار أي كل ما سوى الله أو غير الله، وعندما تتخلص من الأغيار سوف توجه قلبك لله فقط.

ومثال هذه الهواتف الإلهية ما حصل لبشر الحافي والفضيل بن عياض التي أرجعتهم إلى الله.

وقد قسم سيدي أحمد بن عجيبة الإدريسي رحمه الله الوارد إلى ثلاث أقسام، على حسب البداية والوسط والنهاية، أو تقول: على حسب الطالبين والسائرين والواصلين.

القسم الأول: وارد الانتباه: وهو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، وهو لأهل البداية من الطالبين.

القسم الثاني: وارد الاقبال: وهو نور يقذفه الله في قلب عبده فيحركه لذكر مولاه ويغيبه عما سواه.

القسم الثالث وارد الوصال: وهو نور يستولي على قلب العبد، ثم يستولي على ظاهره وباطنه، فيخرجه من سجن نفسه ويغيبه عن شهود حسه...

يقال عبدت الله ألف سنة فلم أرى شيءا، قال المربي: أنت محجوب بنفسك، أي محجوب بالأغيار، والأغيار هي حظوظ النفس من كبر وغرور وغير ذلك.

قال الشيخ عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله: {أي إنما أورد عليك عليك- أيها المريد- الوارد، وهو ما يرد على قلبك من المعارف الربانية واللطائف الرحمانية.

لتكون له، أي بذلك الوارد المطهر لقلبك، عليه سبحانه واردا.

فإن الحضرة منزهة عن كل قلب متكدر بالآثار، متلوث بأقذار الأغيار. ولذا قال المصنف:

{أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار}.

فالأغيار والآثار التي هي أعراض الدنيا وشهوات النفس، غاصبة لك، لحبك لها، وسكونك إليها. فأورد عليك الوارد ليستلمك قهرا من يد من غصبك، ويحررك من ملكية من استقرك، فتكون حينئذ صالحا لعبوديته، ومشاهدا لعظمة ربوبيته.

قال سيدي أحمد بن عجيبة رضي الله عنه: {أي إنما أورد عليك وارد الإقبال، ليؤنسك بذكر الكبير المتعال، فإذا إشتغلت بذكره وغبت عن غيره تسلمك: أي أنقذك من يد لصوص الأغيار}.

قال سيدي أحمد بن عطاء السكندري رحمه الله: {أورد عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك} أي: إنما أورد عليك الوصال، بعد أن أهب عليك نفحات الإقبال، ليخرجك من سجن رؤية وجودك إلى فضاء، أي اتساع شهودك لربك، فرؤيتك وجودك مانعة لك من شهود ربك، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه، وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وأنشد الجنيد:

                وجودي أن أغيب عن الوجود         بما يبدو عليّ من الشهود

فإن وجودك الشبيه بالسجن، وهو شهودك لنفسك، ومراعاتك لحظك.

وشهودك الشبيه بالفضاء في السعة، هو أن تغيب عن ذلك بمشاهدتك عظمة ربك. ولذا قال بعضهم: سجنك نفسك، إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال سيدي أحمد بن عطاء السكندري رحمه الله: {الأنوار مطايا القلوب والأسرار، النور جند القلب، كما أنّ الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده، أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار}.

الشرح:

المطية هي الوسيلة، فبواسطة هذه الوسيلة يصل الإنسان إلى مبتغاه، سواء كانت هذه المطية دابة أو آلة، وهذه المطية يركبها لتبلغه إلى الغايات التي لا يستطيع أن يبلغها مشيا تسمى مطية أي يمطيها، والمطية مفرد مطايا.

فالبنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يجعل منه وسيلة إلى مرضاة الله عز وجل.

قال سيدي أحمد بن عجيبة الحسني رحمه الله: {الأنوار التي هي الواردات مطايا القلوب تحملها إلى حضرة علام الغيوب، وهي أيضا مطايا الأسرار تحملها إلى جبروت العزيز الجبار، فالسلوك هداية، والجذب عناية، فوارد الانتباه والاقبال حمله سلوك وارد الوصال حملة جذب، فالأنوار التي هي مطايا القلوب تحملهم على جهة السلوك إلا أنهم محمولون فيه بحلاوة نور الانتباه والإقبال، فصار سلوكهم كأنه جذب.

وأما الأنوار التي تحملها على مطايا الأسرار، فإنها تحملهم على جهة الجذب ممزوجا بسلوك فيكونون بين جذب وسلوك، وهذا الحمل أعظم، والله تعالى أعلم.

ثم بين كيفية السير على هذه المطايا وما يعوقها عن السير فقال:

{النور جند القلب، كما أنّ الظلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار}.

قال الشيخ أحمد زروق الفاسي رحمه الله: {الظلمة نكتة تقع من الهوى في النفس عن عوارض الوهم فتوجب العمى عن الحق؟ لتمكن الباطل من الحقيقة، فيأتي العبد ويذر على غير بصيرة}.

قال سيدي أحمد بن عجيبة رحمه الله: {قد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر أسماء لمسمى واحد، وهو اللطيفة الربانية النورانية المودعة في هذا القالب الجسماني النوراني، وإنما اختلفت أسماؤها باختلاف أحوالها وتنقل أطوارها، ومثال ذلك كماء المطر النازل في أصل الشجر، ثم يصعد في فروعها فيظهر ورقا ثم نورا وأزهارا، ثم يعقد ثمرة ينمو حتى يكمل، فالماء واحد واختلفت أسماؤه باختلاف أطواره، هكذا قال الساحلي في بغيته.

فعلى هذا يكون تقابل القلب مع النفس بالمحاربة كناية عن صعوبة انتقال الروح من وطن الظلمة التي هي محل النفس إلى وطن النور الذي هو الطلب وما بعده.

فالقلب يحاربها لينقلها  إلى أصلها، وهي تتقاعد وتسقط إلى أرض البشرية وشهواتها، فالقلب له أنوار الواردات تقربه وتنصره حتى يترقى إلى الحضرة التي هي أصله وفيها كان وطنه، وكأنها جنود له من حيث إنه يتقوى بها وينتصر على ظلمة النفس}.

يعني: أن النور للقلب في كونه يتوصل به إلى مقصده، وهو حضرة الرب، بمنزلة الجند للأمير في كونه يتوصل به إلى مقصوده من قهر أعدائه، كما أن الظلمة التي من وساوس الشيطان جند النفس الأمّارة بالسوء-دون المطمئنة، ومقصد النفس الأمارة الشهوات، والأغراض العاجلة.

فإذا أراد الله أن ينصر عبده، أي يعينه على قمع شهواته، أمد قلبه بجنود الأنوار، وقطع عنه الظلم والأغيار، نسأل الله أن يمدنا بجند الأنوار ويقطع شهوات النفس بكل أشكالها.

إنتهى

 

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع التي أعتمدت عليها في شرح هذه الكنوز المسماة بالحكم العطائية وهي كالتالي:

(1)               إيقاظ الهمم في شرح الحكم،  تأليف العارف بالله أحمد بن محمد بن عجيبة الحسني رحمه الله، تقديم ومراجعة: محمد أحمد حسب الله، الناشر: طبعة دار المعارف، القاهرة مصر.

(2)               شرح الحكم للمحدث السندي رحمه الله

(3)               شرح الحكم عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال العارف بالله أحمد زروق الفاسي رحمه الله :

{حكم التابع كحكم المتبوع فيما تبعه فيه، وإن كان المتبوع أفضل، وقد كان أهل الصفة فقراء في أول أمرهم، حتى كانوا يعرفون بأضياف الله، ثم كان منهم الغني والأمير، والمتسبب والفقير، لكنهم شكروا عليها حين وجدت، كما صبروا عليها حين فقدت.

فلم يخرجهم الوجدان عما وصفهم مولاهم به من أنهم:

(يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) سورة الكهف: 28، كما أنهم لم يمدحوا بالفقدان، بل بإرادة وجه الملك الديان، وذلك غير مقيد بفقر ولا غنى، وبحسبه فلا يختص التصوف بفقر ولا غنى إذا كان صاحبه يريد وجه ربه به، فأفهم}.

المعنى:

تكلم سيدي زروق في القاعدة السابعة عن اشتقاق كلمة التصوف وقال بأن الأقوال كثرت في هذا المعنى:

فمنهم من قال من الصوفة، ومنهم من قال صوفة القفى ومنهم من قال الصفة ومنهم من قال الصفاء وهذا القول منسوب لأبي الفتح اليستي، ومنهم من قال الصّفّة وهم أهل الصفة الذين كانوا أضياف الله، وقد قال الله فيهم: {يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} فهم أهل الله وخاصته.

والقاعدة الثامنة تتمة للقاعدة السابعة فقد بين فيها بأن الصوفية هم أتباع أهل الصفة، وقد كانوا أهل الصفة فقراء في أول أمرهم ثم بعد ذلك صار منهم الغني والأمير، والمتسبب والفقير، لكنهم لم يحجبهم هذا عن الله، فقد كانوا يشكرون الله إذا أنعم الله عليهم، ويصبرون إذا فقدت منهم.

فلم يخرجهم الوجدان عما وصفهم ملاوهم به من أنهم: {يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}، كما أنهم لم يمدحوا بالفقدان، بل بإرادة وجه الملك الديان، وذلك غير مقيد بفقر ولا غنى، أي لا فقر مادي ولا غنى مادي، وبحسبه فلا يختص التصوف بفقر ولا غنى إذا كان صاحبه يريد وجه ربه به.

فأبو بكر الصديق كان غنيا وكان من أولياء الله تعالى وكذلك عثمان لأنهم باعوا أنفسهم لله، وكذلك أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فقد كان فقيرا وكان وليا من أولياء الله، هذا ما قصده سيدي زروق رحمه الله بأن غاية التصوف هو إرادة وجه الملك الديان فقد يكون المسلم فقيرا ولكن بعيد عن الله لأنه متعلق بالدنيا.

والله أعلم

 

 

 

 

القاعدة التاسعة:

قال سيدي أحمد زروق رحمه الله:

{اختلاف النسب قد يكون لاختلاف الحقائق، وقد يكون لاختلاف المراتب في الحقيقة الواحدة، فقيل:

إن التصوف والفقر والملامة والتقريب من الأول، وقيل: من الثاني، هو الصحيح.

على أنّ الصوفيّ هو العامل في تصفية وقته عما سوى الحق، فإذا سقط ما سوى الحق من يده فهو الفقير. والملامتي منهما هو الذي لا يظهر خيرا ولا يضمر شرا، كأصحاب الحرف والأسباب ونحوهم من أهل الطريق.

والمقرب من كملت أحواله فكان بربه لربه، ليس له عن سوى الحق إخبار، ولا غير الله قرار، فافهم}.

المعنى:

بدأ سيدي أحمد زروق في بيان اختلاف المراتب والحقائق، وقال بأن التصوف والفقر والملامة مختلفون المراتب ولكن لهم حقيقة واحدة.

وقال بأن الصوفي هو العامل في تصفية وقته عما سوى الحق، أي لا يشتغل بالخلق، فإذا سقط ما سوى الحق من يده فهو الفقير، والملامتي مختلف عنهما فإنه لا يضمر شرا ولا يظهر خيرا، وأما المقرب فهو من كلمت أحواله فكان لربه لربه، لبس له عن سوى الحق إخبار، ولا غير الله قرار، أي منشغل  بربه لربه، فهو يتحرك بربه، وكل فعل فهو يقصو به وجه ربه.

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القاعدة العاشرة:

قال سيدي أحمد زروق الفاسي رحمه الله: {لا يلزم من اختلاف المسالك اختلاف المقصد، بل قد يكون متحدا مع اختلاف مسالكه، كالعبادة والزهادة والمعرفة مسالك لقرب الحق على سبيل الكرامة، وكلها متداخلة.

فلابد للعارف من عبادة وإلا فلا عبرة بمعرفته، إذ لم يعبد معروفه.

ولابد له من زهادة وإلا فلا حقيقة عنده، إذ لم يعرض غمن سواه.

ولابد للعابد منهما، إذ لا عبادة إلا بمعرفة، ولا زهد إلا بعبادة وإلا عاد بطالة.

نعم من غلب عليه العمل فعابد، أو الترك فزاهد، أو النظر لتصريف الحق فعارف، والكل صوفية، والله أعلم}.

بيّن سيدي أحمد زروق رحمه الله اختلاف المسالك كالعبادة والزهادة والمعرفة وقال بأن اختلاف المسالك ليس بالضرورة أن يكون هناك اختلاف في المقصد، فالمقصد واحد هو إرادة وجه الديان.

فقال لابد للعارف من عبادة، وكذلك لابد لزاهد من حقيقة، ولابد للعابد منهما أي الزهد والمعرفة، فكل واحدة تكمل الأخرى.

ولكن قد نجد من يغلب عليه العمل فهذا عابد، وقد نجد من يغلب عليه الترك فهو زاهد، وقد نجد من يغلب عليه النظر بتصريف الحق فعارف، وقال والكل صوفية، والله أعلم.

انتهى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات