Main menu

Pages

الدرس الثاني عشر من شرح منظومة ابن عاشر

  قال الشيخ عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله: 

                 وقدرة إرادة علم حياة         سمع كلام بصر ذي واجبات 

الشرح: 

-القدرة: وهي صفة أزلية ثابتة لذات الله تعالى ويصح أن يقال قائمة بذات الله تعالى لأن معنى واحد ولكن لا يقال في ذات الله، والقدرة يتأتى بها الإيجاد والإعدام أي يوجد بها المعدوم من العدم ويعدم بها الموجود. 

ولا تتعلق القدرة إلا بما يقبل العقل وجوده وهو الممكنات العقلية ويقال بعبارة أخرى [الجائزات العقلية]، فلا تتعلق القدرة بالواجب العقلي ولا بالمستحيل العقلي أي ما لا يقبل الوجود. 

-الإرادة: وهي صفة قديمة قائمة بذات الله أي ثابتة لذاته يخصص بها الممكن العقلي بصفة دون صفة، لأن الممكنات العقلية كانت معدومة ثم دخلت في الوجود بتخصيص الله تعالى لوجودها إذ كان في العقل جائزا ألا توجد، فوجودها بتخصيص الله تعالى، فلولا تخصيص الله تعالى لما وجد من الممكنات العقلية شيء. 

فيعلم من ذلك أن الله تعالى خصص كل شيء دخل في الوجود بوجوده بدل أن يبقى في العدم وبالصفة التي هو عليها دون غيرها، فتخصيص الإنسان بصورته وشكله الذي هو قائم حاصل بتخصيص الله تعالى لأنه كان في العقل جائزا أن يكون الإنسان على غير هذه الصفة وعلى غير هذا الشكل، ثم تخصيص الإنسان بوجوده في الوقت الذي وجد فيه فهو من الله تعالى لأنه لو شاء لجعل الإنسان أول العالم لكنه لم يجعله أول العالم بل جعله آخر العالم، فالفرد الواحد منا يعلم أنه ما أوجد نفسه على هذا الشكل ولا هو أوجد نفسه في هذا الزمن الذي وجد فيه فوجب أن يكون ذلك بتخصيص مخصص وهو الموجود الأزلي المسمى الله. 

العلم: العلم صفة أزلية أبدية ثابتة لله تعالى، والله تعالى ليس جوهرا يحل به العرض، فعلمنا عرض يحل بأجسمانا ويستحيل ذلك على الله تعالى، والله تعالى يعلم بعلمه الأزلي كل شيء، ويعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون، ولا يقبل علمه الزيادة والنقصان فهو سبحانه وتعالى محيط علما بالكائنات التي تحدث إلى ما لا نهاية له، حتى ما يحدث في الدار الآخرة التي لا انقطاع لها، يعلم ذلك جملة وتفصيلا، قال تعالى: {وكان الله بكل شيء محيطا} [سورة النساء]، وعلم الله تعالى لم يسبق بجهل، ولا يتجدد ولا يتغير، كما أن علمه أعم من الإرادة والقدرة، فالإرادة والقدرة تتعلقان بالممكنات العقلية أما علمه فيتعلق بالممكنات العقلية والمستحيلات وبالواجب العقلي. 

لمعرفة الممكن العقلي والمستحيل العقلي والواجب العقلي ينبغي لكم العودة إلى الدروس الأولى. 

الحياة: هي في حق الله تعالى صفة أزلية أبدية ليست كحياة غيره من المحدثات، بل هو حي بلا روح ولا لحم ولا عصب ولا مخ ولا دم ولا دماغ، حياته لا تشبه حياة الخلق، والحياة توجب صحة الإتصاف بالعلم والقدرة والإرادة، فمن لم يكن حيا لا يوصف بهذه الثلاثة. 

ومما يدل على وجوب حياته تعالى تعالى وجود هذا العالم، فلو لم يكن حيا لم يوجد شيء من العالم، لكن وجود العالم ثابت بالحس والضرورة بلا شك. 

-السمع: وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى أي ثابتة له تتعلق بالمسموعات، ولا يجوز أن يكون سمعه تعالى حادثا كسمع خلقه، ولا يجوز أن يكون بآلة كسمعنا فهو يسمع جميع المسموعات بلا أذن ولا صماخ، فسمع الله ليس بأذن ولا جارحة أخرى، وهو سمع أزلي ومسموعات التي هي من قبيل الصوت حادثة فهو تعالى يسمع هذه الأصوات الحادثة يسمعه الأزلي الأبدي أي الذي ليس لوجوده ابتداء ولا انتهاء، بل هو باق دائم كسائر الصفات. 

-الكلام: أي أن الله تبارك وتعالى موصوف بصفة الكلام، وكلامه قديم أزلي لا ابتداء له، وما كان كذلك فلا يكون حرفا وصوتا ولغة، ولا يبتدأ ولا يختتم، ولذلك لا يقال عن الله ناطق، بل يقال متكلم لأنه لا يتكلم بحرف وصوت، بل يتكلم بكلام ليس بحرف وصوت، فالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور وسائر كتب الله إن قصد بها الكلام الذاتي الذي هو صفة لله فهي أزلية ليست بحرف وصوت. وإن قصد بها اللفظ المنزل الذي بعضه بلغة العرب وبعضه بالعبرانية وبعضه بالسريانية فهو حادث مخلوق لله لكنها ليست من تصنيف ملك ولا بشر، فهي عبارات عن الكلام الذاتي الذي لا يوصف بأنه عربي ولا بأنه عبراني ولا بأنه سرياني، وكل يطلق عليه كلام الله، أي أن صفة الكلام القائمة بذات الله يقال لها كلام الله، واللفظ المنزل الذي هو عبارة عنه يقال له كلام الله، فتبين أن القرآن له إطلاقان أي له معنيان: 

-الأول: إطلاقه على الكلام الذاتي الذي ليس هو بحرف ولا صوت ولا لغة عربية ولا غيرها. 

-الثاني: إطلاقه على اللفظ المنزل الذي يقرؤه المؤمنون. 

وذلك الكلام الذي ليس حرفا ولا صوتا يقال له قرآن وتوراة وإنجيل وزبور، أما ألفاظ القرآن وألفاظ التوراة وألفاظ الإنجيل وألفاظ الزبور المنزلة هذه مخلوقة لله خلقها، ولكنها ليست من تأليف الأنبياء ولا جبريل، إنما هي مكتوبة في اللوح المحفوظ، أمر الله جبريل أن يأخذها وينزلها على أولئك الأنبياء الأربعة. 

وتقريب ذلك أن لفظ الجلالة "الله" عبارة عن ذات أزلي قديم. 

والله أعلم وأحكم. 




reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات