Main menu

Pages

شرح الحكمة الأولى لابن عطاء الله السكندري

  


شرح الحكم العطائية

الحكمة الأولى: (من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل)

قال ابن عجيبة رحمة الله عليه

(ولما كان علم التصوف إنما هو نتائج الأعمال الصحيحة وثمرات الأحوال الصافية من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم بدأ بالكلام على العمل.

... الاعتماد على الشيء هو: الاستناد عليه والركونُ إليه، والعملُ: حركة الجسم أو القلب، فإن تحرك بما يوافق الشريعة سمى طاعة، وإن تحرك بما يخالف الشريعة سمى معصية.

والأعمال عند أهل الفن على ثلاثة أقسام

عمل الشريعة، وعمل الطريقة، وعمل الحقيقة.

أو تقول: عمل الإسلام، وعمل الإيمان، وعمل الإحسان.

أو تقول: عمل العبادة، وعمل العبودية، وعمل العبودة أي الحرية

أو تقول: عمل أهل البداية، وعمل أهل الوسط، وعمل أهل النهاية.

فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده.

 أو تقول: الشريعة لإصلاح الظواهر، والطريقة لإصلاح الضمائر، والحقيقة لإصلاح السرائر

وإصلاح الجوارح بثلاثة أمور: بالتوبة، والتقوى، والاستقامة.

وإصلاح القلوب بثلاثة أمور: بالإخلاص، والصدق، والطمأنينة.

وإصلاح السرائر بثلاثة أمور: بالمراقبة، والمشاهدة، والمعرفة.

أو تقول: إصلاح الظواهر باجتناب النواهي وامتثال الأوامر، وإصلاح الضمائر بالتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل، وإصلاح السرائر وهي هنا الأرواح بِذُلِّها وانكسارها حتى تتهذَّبَ وترتاضَ الأدبَ والتواضعَ وحسن الخلق.

واعلم أن الكلام هنا إنما هو في الأعمال التي توجب تصفيةَ الجوارح أو القلوب أو الأرواح، وهي ما تَقَدَّم تعيينُها لكل قسم، وأما العلوم والمعارف فإنما هي ثمرات التصفية والتطهير، فإذا تطهرت الأسرار ملئت بالعلوم والمعارف والأنوار.

ولا يصح الانتقال إلى مقام حتي يُحَقِّق ما قبله، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فلا يَنتقل إلى عمل الطريقة حتى يُحقق عمل الشريعة، وترتاضَ جوارحُه معها بأن يُحقق التوبةَ بشروطها، ويحقق التقوي بأركانها، ويحقق الاستقامة بأقسامها، وهي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله.

فإذا تزكي الظاهر وتنور بالشريعة انتقل من عمل الشريعة الظاهرة إلى عمل الطريقة الباطنة، وهي التصفية من أوصاف البشرية على ما يأتي، فإذا تطهر من أوصاف البشرية تحلى بأوصاف الروحانية، وهي الأدب مع الله في تجلياته التي هي مظاهره فحينئذ ترتاح الجوارح من التعب وما بقي إلا حسن الأدب.

قال بعض المحققين: "من بلغ إلى حقيقة الإسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل، ومن بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل بسوى الله، ومن بلغ إلى حقيقة الإحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى الله" اهـ.

ولا يعتمد المريد في سلوك هذه المقامات على نفسه، ولا على عمله، ولا على حوله وقوته، وإنما يعتمد على فضل ربه وتوفيقه وهدايته وتسديده ... 

فالاعتماد على النفوس من علامة الشقاء والبؤس، والاعتماد على الأعمال من عدم التحقق بالزوال، والاعتماد على الكرامة والأحوال من عدم صحبة الرجال، والاعتماد على الله من تحقق المعرفة بالله، وعلامةُ الاعتماد على الله أنه لا ينقص رجاؤه إذا وقع في العصيان، ولا يزيد رجاؤه إذا صدر منه إحسان، أو تقول: لا يعظم خوفه إذا صدرت منه غفلة كما لا يزيد رجاؤه إذا وقعت منه يقظة

قد استوى خوفه ورجاؤه على الدوام؛ لأن خوفه ناشيء عن شهود الجلال، ورجاؤه ناشيء عن شهود الجمال، وجلال الحق وجماله لا يتغيران بزيادة ولا نقصان، فكذا ما يتشأ عنهما بخلاف المعتَمِد على الأعمال: إذا قل عمله قل رجاؤه، وإذا كثر عمله كثر رجاؤه لشركه مع ربه وتحققه بجهله، ولو فني عن نفسه وبقي بربه لاستراح من تعبه وتحقق بمعرفة ربه).

من كتاب: "إيقاظ الهمم شرح متن الحكم". باختصار

reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات