قال العلامة عبد
الواحد ابن عاشر الفاسي رحمه الله تعالى:
يجب للرسل الكرام
الصدق أمانة تبليغهم يحق
محال الكذب والمنهي كعدم التبليغ يا ذكي
الشرح:
الجزء الثالث:
وليعلم أن كل
الأنبياء فصحاء فليس فيهم أرت وهو الذي يكون في لسانه عقدة وحبسة ويعجل في كلامه
فلا يطاوعه لسانه، ولا تأتاء ولا ألثغ، وأما الألثغ فهو الذي يصير الراء غينا أو
لاما والسين ثاء.
وأنه يستحيل عليهم
سبق اللسان في الشرعيات والعاديات، ولأنه لو جاز عليهم لارتفعت الثقة في صحة ما
يقولونه ولقال قائل لما يبلغه كلام عن النبي {ما يدرينا أنه يكون قاله على وجه سبق
اللسان}، فلا يحصل من النبي أن يصدر منه كلام غير الذي أراد قوله، أو أن يصدر منه
كلام ما أراد قوله بالمرة كما يحصل لمن يتكلم وهو نائم. وأما النسيان الجائز عليهم
فهو كالسلام من ركعتين كما حصل مع الرسول، فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، صلم في ركعتين،
فقام ذو اليدين فقال: اقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: {كل ذلك لم يكن}.
فقال: فقد كان بعض
ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: {أصدق ذو
اليدين}؟ فقالوا: نعم يا رسول الله. فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من
الصلاة- وذلك بعد أن نذكر وصار هذا اعتقاده، وهذا الفعل والكلام قليل لا يضر- ثم
سجد سجدتين، وهو جالس، بعد التسليم.
ومما يستحيل على الأنبياء
أيضا الجنون، وأما الاغماء فيجوز عليهم، فقد كان يغمى على رسول الله من شدة الألم
في مرض وفاته ثم يصب عليه الماء فيفيق.
ومما يستحيل عليهم
تأثير السحر في عقولهم فلا يجوز أن يعتقد أن الرسول أثر السحر في عقله وإن كان
قاله من قاله، وأما تأثير السحر على جسد النبي، فقد قال بعض العلماء: {إنه جائز}،
فقد ورد أن يهوديا عمل السحر لرسول الله فتألم الرسول من أثر ذلك. وكذلك يستحيل
على الأنبياء الجبن، أما الخوف الطبيعي فلا يستحيل عليهم. الخوف الطبيعي موجود
فيهم، وذلك مثل النفور من اللحية، فإن طبيعة الإنسان تقتضي الهرب من اللحية وما
اشبه ذلك مثل التخوف من تكالب الكفار عليه حتى يقتلوه فإن ذلك جائز عليهم، ولكن لا
يقال عن النبي هرب لأن هرب يشعر بالجبن، أما إذا قيل هاجر فرارا من الكفار أي من
أذى الكفار فلا يشعر بالجبن بل ذلك جائز ما فيه نقص.
وهنا فائدتان
مهمتان:
الأولى: في قولنا
عن النبي هو إنسان أخرجنا الجن فإنه لا يوجد فيهم أنبياء، إنما يوجد نذر ينذرون
ويرشدون خلافا لما وقع في بعض الكتب، ومعنى قوله تعالى: {يَٰمَعْشَرَ اَ۬لْجِنِّ
وَالِانسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٞ مِّنكُمْ} (سورة الأنعام: الاَية 131) فتأوله
العلملء على أنهم رسل على الرسل، سمعوا كلامهم فأنذروا أقوامهم، لا رسل عن الله،
أما الملائكة فليس فيهم أنبياء إنما فيهم رسل، فالرسالة مشتركة بين البشر
والملائكة.
الثانية: أن القول
الصحيح المعتمد انحصار النبوة في الذكور من البشر، فعلى هذا ما قيل من النبوة أربع
نسوة مريم واَسيا وحواء وأم موسى، وقول بعضهم ست نسوة فزاد هاجر وحمنة أم مريم ليس
صحيحا، فقد قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله: {لم يصح عندنا في ذلك شيء}.
قال العلامة محمد
المراكشي المالكي في شرحه للبيتين:
"يجب للرسل الكرام الصدق أمانة، تبليغهم يحق
محال الكذب والمنهي كعدم التبليغ يا ذكي"
الواجب في حق
الرسل عليهم الصلاة والسلام ثلاثة أشياء:
أولها: الصدق في
دعوى الرسالة وفي الأحكام التي يبلغونها عن الله تعالى.
ثانيها: الأمانة،
وهي العصمة والحفظ والمتصف بها تمنعه من ارتكاب الفجور.
ثالثها: التبليغ،
أي ما أمروا بتبليغه للخلق.
والمستحيل في حق
الرسل عليهم الصلاة والسلام ثلاثة أشياء، وهي: الكذب، والخيانة، والكتمان.
انتهى
والحمد لله رب
العالمين
المرجع الذي اعتمدت عليه في صياغة المقالة هو الحبل المتين على نظم المرشد المعين تأليف محمد بن محمد بن المبارك الفتحي المراكشي المالكي الموقت حفظه الله اَمين ويليه كتاب مبادئ التصوف وهادي التعرف، دار الرشاد الحديثة- الدار البيضاء-المغرب.

تعليقات
إرسال تعليق