Main menu

Pages

مقاصد الكلام في المذهب المالكي

 

مقاصد الكلام في المذهب المالكي:



ومهما يكن من شيء فإن الاشتغال بعلم الكلام يكون بحسب الحاجة إليه، وفي حدود الرد على الشبهات والبدع، ثم لابد أن يكون المشتغل بالكلام قد بلغ درجة عالية من الفهم لأمور العقيدة، متمكنا من علوم الشريعة {أصول الفقه، الفقه، الحديث،...}، خبيرا بمقالات المتكلمين.... وهناك نص يورده الحافظ ابن عبد البر النمري يحدد فيه الإمام مالك مفهوم المبتدعة وموقفه من علم الكلام المحمود، يقول ابن عبد البر رحمه الله:

قد بين مالك رحمه الله أن الكلام فيما تحته عمل هو المباح عنده، وعند أهل بلده، وأخبر أن الكلام في الدين نحو القول في صفات الله وأسمائه، وضرب مثلا فقال: نحو قول جهم بن صفوان.... والذي قاله الإمام مالك بن أنس رحمه الله عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف مالك أهل البدع المعتزلة وسائر الفرق، وأما الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع برد الباطل وصرفه صاحبه عن مذهبه أو خشي ضلالة عامة أو نحو هذا.1

لقد أدرك فقهاء المذهب المالكي خطورة الكلام، ومن ثم وضعوا شروطا صارمة لمن يشتغل بالرد على الشبهات والبدع الكلامية التي يثيرها أهل الأهواء في كل عصر ومصر.

يقول القاضي عبد الوهاب المالكي في معرض بيان أهمية المناظرة التي يقصد منها رد الشبه: "فأما المناظرة المقصود منها إيضاح الحجة وإبطال الشبهة، ورد المخطئ إلى الصواب، والزائغ إلى الحق، والضال إلى صحة الاعتقاد فإن ذلك غير منهي عنه، بل مندوب إليه، ومحضوض عليه، وقد قال الله تعالى: {وَجَٰدِلْهُم بِالتِے هِيَ أَحْسَنُۖ} (النحل: 125) وقال: {﴿۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ اَ۬لْكِتَٰبِ إِلَّا بِالتِے هِيَ أَحْسَنُ} (سورة العنكبوت: 46) وقال مخبرا عن قوم نوح: {﴿۞قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ اَ۬لصَّٰدِقِينَۖ 32﴾ هذه هي المناظرة التي بين المتناظرين. 2

يقول الإمام جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس: "وأما القيام بدفع شبه المبتدعة فلا يتعرض له إلا من طالع علوم الشريعة وحفظ الكثير منها، وفهم مقاصدها وأحكامها، وأخذ ذلك عن الأئمة وفاوضهم فيها، وراجعهم في ألفاظها وأغراضها وبلغ درجة الإمامة في هذا العلم بصحبة إمام وأئمة أرشدوه إلى وجه الصواب، وحذروه من الخطأ والضلال حتى ثبت الحق في نفسه وفهمه، ثبوتا قوي به على رد شبه المخالفين، وإبطال حجج المبطلين، فيكون القيام بدفع الشبه فرض كفاية عليه، وعلى أمثاله حينئذ، فأما غيرهم فلا يجوز له التعرض لذلك، لأنه ربما ضعف عن رد تلك الشبهة وتعلق بنفسه منها ما لا يقدر على إزالته، فيكون قد تسبب إلى هلكته وضلال، ونسأل الله العصمة".3

ويقول ابن الحاجب في عقيدته: "ولا يجب القيام بدفع شبه أهل الضلال إلا على من تمكن في النظر في علوم الشريعة تمكنا يقوى بها على دفعها وهو فرض كفاية".4

وقد ألف الإمام الأشعري رحمه الله رسالة بعنوان "استحسان الخوض في علم الكلام" وضمون هذه الرسالة كما يدل عليه عنوانها هو التدليل على جواز الاشتغال بعلم الكلام الذي حكم بعض الحنابلة بتحريمه، دون تمييز بين المحمود منه والمذموم وفي أحسن الحالات بتبديع المشتغل به، على الرغم من أهميته وشرف موضوعه. 5

فقد ألف عبد الله الأنصاري الهروي {ت:481هـ} في كتابه "ذم الكلام" للتحذير من علم الكلام والإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي، في كتابه "تحريم النظر في علم الكلام". 6

وكان الإمام الأشعري من أوائل من ردوا على دعاوى ذم الكلام والنهي عن الخوض فيه مطلقا في الرسالة السابقة "استحسان الخوض في علم الكلام" فقال: إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأسَ مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث في الدين. ومالو إلى التخفيف والتقليد وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلى الضلال..."

وقد نقض الإمام الأشعري دعاوى هؤلاء الرافضين من خلال تفكيك خطابهم التبديعي لينتهي بعد ذلك إلى إقرار شرعية علم الكلام لكون أصوله النظرية مأخوذة من القراَن الكريم والسنة النبوية المطهرة. فقد قال الله تعالى: {لو كان فيهما اَلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} الانبياء: 22، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنه واحد لا شريك له، وكلام المتكلمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنما مرجعه إلى هذه الاَية. 7

وقد سلك الإمام الأشعري منهجا واضحا في الدفاع عن مشروعية علم الكلام، فبعد أن أشار إلى أهم المقدمات التي استند عليها خصوم الكلام والحكم على المستقبل به بالضلال والابتداع قال: الجواب عنه من ثلاثة أوجه: 


reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات