الدرس الخامس في العقيدة الإسلامية:
هل العالم خلق صدفة؟
عقيدة الألوهية عند الفلاسفة والعلماء
هل العالم خلق صدفة أم خلق عبر نظام؟
قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
"نشوء حياتنا هذه ودوامها يقومان على جملة ضخمة من القوانين الدقيقة يحكم
العقل باستحالة وجودها هكذا جزافا.
فرضع الأرض أمام الشمس مثلا... ثم على
مسافة معينة لو نقصت –بحيث ازداد قربها من الشمس- لاحترقت أنواع الأحياء من نبات وحيوان.
ولو بعدت المسافة لعمّ الجليد والصقيع وجه
الأرض، وهلك كذلك الزرع والضرع... أفتظن إقامتها في مكانها ذاك لتنعم بحرارة
مناسبة جاء خبط عشواء؟
وحركة المد والجزر التي ترتبط بالقمر.
أفما كان من الممكن أن يقترب القمر من امه
أكثر، فيحسب أمواج المحيطات سحبا يغطي به وجه اليابسة كلها، ثم ينحسر عنها وقد
تلاشى كل شيء؟
من الذي أقام القمر على هذا المدى المحدود
ليكون مصدر ضوء لا مصدر هلاك؟ّ
إننا على سطح هذه الأرض نستنشق
"الأوكسجين" لنحيى به ونطرد "الكربون" الناشئ من احتراق
الطعام في جسومنا.
وكان ينبغي أن يستنفد الأحياء –وما اكثرهم-
هذا العنصر الثمين في الهواء، فهم لا ينقطعون عن التنفس أبداً.
لكن الذي يقع أن النبات الأخضر يأخذ "الكربون" ويعطي بدله
"أوكسجين" وبهذه المعاوضة الغريبة يبقى التوازن في طبيعة الغلاف الهوائي
الذي يحيى في جوفه اللطيف الحيوان والنبات جميعا.
أفتحسب هذا التوافق حدث من تلقاء نفسه؟
إنني أحياناً أسرح الطرف في زهرة مخططة
بعشرات الألوان. ألتقطها بأصابع عابثة من بين مئات الأزهار الطالعة في إحدى
الحدائق...
ثم أسأل نفسي: بأي
ريشة نسقت هذه الألوان؟ إنها ليست ألوان الطيف وحدها. إنها مزيج رائق ساحر من الألوان التي تبدو هنا مخففة، وهنا
مظللة، وهنا مخططة، وهنا منقطة...
وأنظر إلى أسفل. إلى التراب الأعفر الذي اطّلع على هذه الألوان.
إنه –بيقين- أليس
راسم هذه الألوان ولا موزع أصياغها.
هل الصدفة هي التي
أشرفت على ذلك؟ أي صدفة؟
إن المرء يكون
غبياً جداً عندما يتصور الأمور على هذا النحو...
وألوان الزهرة هذه
ملاحظة شكلية ساذجة بالنسبة إلى ملاحظة قصة الحياة في أدنى صورها.
إن إنشاء الحياة
في أصغر خلية يتطلب نظاماً بالغ الإحكام.
ومن الحمق تصور
الفوضى قادرة على خلق "جزيء" في جسم دودة حقيرة، فضلا عن خلق جهازها
الهضمي أو العصبي.
فما بالك بخلق هذا
الإنسان الرائع البنيان الهائل الكيان.
ثم فما بالك بخلق
ذلكم العالم الرحب....؟؟
لماذا يطلب مني –إذا
رأيت ثوباً مخيطاً أنيقاً- أن أتصور خيطاً قد دخل من تلقاء نفسه في ثقب إبرة،
اشتبكت من تلقاء نفسها في نسيج الثوب،أو أخذت تعلو وتهبط صانعة الصدر والذيل
والوسط والأكمام والأزرار والفتحات والزركشة والمحاسن....
إن إحالة الأمور
على المصادفات ضربٌ من الدجل العلمي يرفضه أولو الألباب {العقول السليمة والقلوب
السليمة}...
لنفرض أن الاَلة
الكاتبة في أحد الدواوين وجدّت بجوارها ورقة مكتوب عليها اسم عمر ماذا يعني
هذا....؟
أحد أمرين:
أقربهما إلى البداهة وهو أن خبيرا بالكتابة طبع الاسم على الورقة.
والأمر الثاني أن
حروف الاسم تجمعت وترتبت وتلاقت هكذا جزافاً.
إن الفرض الاخير
من الناحية العلمية ما يأتي:
الابتداء بكتابة
العين. أو سقوط حروفها وحده على الورقة دون وعي يجوز بنسبة 1 إلى 28. – وهو عدد
حروف الهجاء العربية.
وسقوط حرفي العين
والميم معاً يجوز بنسبة 1 إلى 28*28 يعني 28 في 28.
ونزول الحروف
الثلاثة بعوامل الصدفة المحضة يجوز بنسبة 1 إلى 28في 28 في 28 أي بنسبة إلى
21952...
وليس أغبى فكراً
ممن يترك الفرض الوحيد المعقول ويؤثر عليه وفرضاً اَخر لا يتصور وقوعه إلا مرة بين
اثنتين وعشرين ألف مرة...
والصدف حين تخط
على القرطاس كلمة عمر أقرب إلى الذهن من تصور الصدف هذه تخلق قطرة ماء في المحيطات
الغامرة، أو حبة رمل في الصحاري الشامعة...
إن العلم برئ من
مزاعم الإلحاد، ومضاد لما يرسل من أحكام بلهاء...
عقيدة الألوهية
عند الفلاسفة والعلماء:
معرفة الله سبحانه
وتعالى مركوزة في كل طبع، واسمه الكريم معروف في كل لغة، واختلاف الأجناس والألسنة
لم يصرف الأفئدة والأفكار عن هذه الحقيقة الواحدة.
بيد أن هذه
المعرفة المتصلة برب العالمين لم تأخذ امتدادها الكامل وسماتها الراشدة، ولم تبرأ
من الاوهام وتبعد عن الاهواء، إلا عندما تلقّاها الناس مصفاة من ينابيع الوحي،
وسمعوا اَياتها تتلى من افواه الانبياء.
ولكن ذلك لم يمنع
الكثير ممن دخلوا في نطاق الرسالات الأولى، أو من لم تبلغهم على الوجه الصحيح
هدايات القراَن الكريم، أن يفكروا في الله من تلقاء أنفسهم، وأن يطلقوا لعقولهم
عنان البحث.
والفلسفة الالهية
حافلة بالكثير من هذه الافكار، كما أن علماء الكون في العصر الأخير قد تكلموا عن
الله في حدود ما هداهم إليه البحث المجرد في اَفاق الطبيعة وأسرارها وقوانينها.
والفلاسفة القدامى
أسموا الله: الصانع، والعقل الاول، وواجب الوجود، وسبب الاسباب، وغير ذلك من الأسماء
التي اصطلحوا عليها.
كما أن للعلماء
المحدثين تصورات في الألوهية التبس فيها الحق بالباطل كما سترى. ومن ثم أقر العقل بالمبدأ
الواجب، وأخطأ في التفاصيل المتعلقة به.
المهم أن العقل
الذكي، والبحث النزيه، والفكرة المبرأة عن الغرض، المستقيمة على النهج، تتأدى
بأصحابها حتماً إلى الله، وتقفهم خاشعين أمام الشعور الغامر بعظمته وجلاله.

تعليقات
إرسال تعليق