Main menu

Pages

جمالية التصوف في شعر أبي مدين الغوث التلمساني رضي الله عنه، وبعض قواعد التصوف


 

والشيخ رحمه الله قد كان مداوما ملازما للسماع وهو أمر دلت عليه الموشحات الكثيرة المنقولة عنه، والظن أنها جاءت لتمهيد طريق التصوف للعامة ليتغلغلوا عبر الذوق في معاني القوم، فمنها الموشح المشهور:

                  عيدوا علي الوصال عيدوا        فإنّ شوقي لكم يزيد

                  وقربوا الوصل والمداني           فالقرب للعاشقين عيد

                  خذوا فؤادي وفتشوه                 وقلبوه كما تريدوا

                   فإن وجدتم فيه سواكم              علي زيدوا البعاد زيدوا

                    وكل يوم أراكم فيه                  فهو يوم عندي سعيد

ومنها أيضا موشحه الموشح بالجمال والبهاء:

                      لما بدا منك القبول            أخرجت من سجن الأسا

                     وزجّ بي عين الوصول             وصرت بك مؤنسا

                    ولست من قلبي تزول               بين الصباح والمسا

                    النظرة فيك يا جميل                 نعيش بها عيشا رغد

                   أنت المحجة والدليل                 من ذا يطيق عنك البعاد

                    يا راحة القلب العليل                فيك اجتمع كل المراد

                   أيقظت في قلبي هواك               وقلت لي إياك تبوح

                  أم كيف لي أعشق سواك             وأنت لي جسم وروح

                  ولا يخفى نور سناك                  وقد بدا للناس يلوح

إن الذي لا يستسيغ حلاوة هذه الآثار المنقولة عن القوم فالمؤكد أن في طبعه علة وعلى بصيرته حجاب، رحم الله الإمام البوصيري:

              قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد         وينكر الفم طعم الماء من سقم

والغوث نفسه يرد على جاحد هذا الجمال في قصيدة مطلعها: تضيق بنا الدنيا إذا غبتم عنا.... إلخ

      يقول:             فقل للذي ينهى عن الوجد أهله           إذا لم تذق معنى معنى شراب الهوى دعنا

                        إذا لم تذق ما ذاقت الناس في الهوى      فبالله يا خالي الحشا لا تعنفنا

ولله در المتنبي يقول:   لا تعذل المشتاق في أشواقه       حتى يكون حشاك في أحشائه

و  إذ عرضنا بعضا من قصائد الغوث وما عرضناه  إلا غيض من فيض، فإننا  لن نترك قصيدته الرائية التي هي منهج المريد السالك إلى الله، والتي جمعت شتات علمه المضمن في تآليفه القليلة وأشعاره الكثيرة، وقد أحسن سيدي ابن عطاء الله السكندري تسمية شرحه إياها ب عنوان التوفيق في آداب الطريق، فإن أبياتها حقا عناوين التوفيق والسداد في بيان آداب القوم ويقصد بالقوم الصوفية وسلوكهم إلى الله، وهي قصيدة في ثلاث وعشرين بيتا على البحر البسيط:

         ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا               هم السلاطين والسادات والأمرا

        فاصحبهم وتأدب في مجالسهم               وخل حظك مهما خلفوك ورا

       واستغنم الوقت واحضر دائما معهم          واعلم بأن الرضا قد خص من حضرا

      ولازم الصمت إلا إن سِئلت فقل              لا علم عندي وكن بالجهل مستترا

      ولا تر العيب إلا فيك معتقدا                     عيبا بدا بينا لكنه استترا

      وحط رأسك واستغفر بلا سبب               وقم على قدم الإنصاف معتذرا

      وإن بدا منك عيب فاعتراف وأقم             وجه اعتذارك عما فيك منك جرا

       وقل عبيدكم أولى بصفحكم                  فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا

       هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم              فلا تخف دركا منهم ولا ضررا

       وبالتفني على الإخوان جد أبدا               حسا ومعنى وغض الطرف إن عثرا

        وراقب الشيخ في أحواله فعسى              يرى عليك من استحانه أثرا

        وقدم الجدّ وانهض عند خدمته                عساه يرضى عليك وكن من تركه حذرا

        واعلم بأن طريق القوم دراسة               وحال من يدعيها اليوم كيف ترى

        متى أراهم وأني لي برؤيتهم               أو تسمع الأذن مني عنهم خبرا

         من لي وأني لمثلي أن يزاحمهم             على موارد لم آلف بها كدرا

          أحبهم وأداريهم وأوثرهم                   بمهجتي وخصوصا منهم نفرا

          قوم كرام السجايا حيثما جلسوا            يبقى المكان على آثارهم عطرا

          فكم تنشقت من أنفاسهم نفسا                أذكى من المسك تنفيسا إذا انتشرا

           يهدي التصوف من أخلاقهم طرفا           حسن التآلف منهم راقني نظرا

            هم أهل ودّي وأحبابي الذي علو            عمّن يجرّ ذيول العزّ مفتخرا

            لا زال شملي بهم في الله مجتمعا            وذنبنا فيه مغفورا ومغتفرا

          ثم الصلاة على المختار  سيدنا           محمد خير من أوفى ومن نذرا

 

وقد جعلها ابن عطاء الله السكندري مجموعات مقسمة حسب موضوع الأبيات، لكل قطعة منها عنوان:

أولا: لذة الطريق في صحبة أهل التحقيق، وهو قول الغوث: ما لذة العيش.

ثانيا: أدب الصحبة في قوله: فاصحبهم وتأدب....

ثالثا: الرضا في الحضور وهو قوله: واستغنم الوقت....

رابعا: تاتستر بالجهل: وهو قوله: ولازم الصمت....

خامسا: التحقق بأوصاف العبودية وهو قوله: ولا تر العيب....

سادسا: دوام شهود تقصيرك وهو قوله: وحط رأسك ....

سابعا: طلب الصفح، وهو من قوله: وإن بدا منك عيب....... إلى قوله: فلا تخف دركا منهم....

ثامنا: بذل الأموال وغض الطرف عن العثرات في قوله: والتفتي على الإخوان....

تاسعا: مراقبة الشيخ في أحواله، وهو قوله: وراقب الشيخ....

عاشرا: الإخلاص في خدمة الشيخ، وهو من قوله: وقد الجد... إلى قوله: وكن من تركه حذرا....

حادي عشر: تشويق السالكين إلى طريق أهل اليقين....من قوله واعلم بأن طريق... إلى قوله: وخصوصا منهم......

ثاني عشر: من خصال الكرام، كرام السجايا... إلى آخر القصيدة الماتعة(.....)

نستخلص مما سبق عدة خلاصات وهي كالتالي:

لقد عرف القرن السادس الهجري نضجا وكمالا في جانب علم التصوف، وكانت سيطرة الموحدين على المغرب داعمة لهذا النضج بأن قربوا أهل التصوف مما أسهم في تشييد أركان هذا العلم وتوسيع رقعته في مختلف الربوع الإسلامية.

ولقد كان أبو مدين من اهل الاصطفاء، إذ انتشل من بيئته التي لم تساعده على طلب العلم ولا السلوك وقاده الله إلى حاضرة المغرب الأقصى بلد العلم والأولياء.

إن الغوث قد كان حلقة وصل بين طبقتين اثنتين من أقطاب علم التصوف وهو ما يدل على مكانة الرجل إذ أخذ العلم كابرا عن كابر وورثه عنه كابر عن كابر.

ولقد جسد التصوف الأخلاقي في خصائصه الكبرى، فالناظر إلى آثاره يرى الفقيه المجاهد العارف بالله، وقد ألقى الله عليه المحبة عظيمة في قلوب الخلق، فإلى اليوم أشعار أبي مدين ما تزال محفوظة في الصدر، وذاك عنوان القبول عند الله.

وفي الختام نرى أن هذا الشيخ عظيم في شخصيته العلمية والروحية، والدارس لعلم التصوف واجب عليه الاعتناء بما خلفه من آثار، فإن دراسة تراث أبي مدين فيه ما يرسم معالم التصوف الحقيقية بعيدا عن الشطط والانحراف.

والحمد لله رب العالمين.

 

بعض المصادر والمراجع التي قد تساعد الطلبة الباحثين في بحثهم وهي كالتالي:

(1) الاستقصا، للناصري، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، ط: دار الكتب، البيضاء:1954م.

(2)  إعلام أهل العلم والدين بأحوال دولة الموحدين، علي محمد الصلابي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط1، 2003م.

(3)  الأعلام، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي/ دار العلم للملايين، الطبعة : الخامسة عشر ماي 2002م.

(4) أنس الفقير وعز الحقير لأبي العباس أحمد الخطيب، تحقيق: محمد الفاسي وأدولف فور.

(5) التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي لابن الزيات، تحقيق: أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، الطبعة الثانية 1997م.

(6) جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس لابن القاضي، دار المنصور للطباعة والوراقة- الرباط.

(7)  ديوان أبي مدين شعيب الغوث، لأبي مدين الغوث، جمع واعداد: د.عبد القادر سعود، ود. سليمان القرشي، كتاب/ناشرون، بيروت، 2011م.

 

  هذه بعض المصادر قد تساعد الطالب في البحث في شخصية الغوث التلمساني رضي الله عنه

والسلام عليكم.

reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية