حكم مرتكب المعاصي في المذهب الأشعري
إذا
كان كثير من أهل العلم قد قالوا إن الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار،
وإعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة فإن أهل الذنوب عندهم
مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم....وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا
يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب
الخمر حين يشربها وهو مؤمن...." يريد أنه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل
الإيمان، وهو من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره.(1) أما
المعتزلة فرأت بأن هذا الشخص هو فاسق لا هو بمؤمن ولا هو بكافر، والخوارج كانت طرف
نقيض قالت في هذه فهو كافر. إن الإنسان العاصي في المنظور السني يظل مؤمنا ولا
يزول عنه اسم الإيمان، والدليل على قول أهل السنة والجماعة هو أن الله تبارك
وتعالى قد خاطب العصاة وأمرهم بالتوبة فقال: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله
توبة نصوحا) التحريم:8. فخاطبهم بالإيمان وأمرهم بالتوبة.(2)
ومن الأدلة على صحة هذا المذهب أن
"مرتكب الكبيرة مؤمن، وبيان كونه مؤمنا أنه متصف بالإيمان. وبيان اتصافه
بالإيمان أنه متصف بالتصديق بالله تعالى ولا معنى للإيمان بالله تعالى غير التصديق
به....وإذا كان مؤمنا فلا يكون كافرا إذ الكفر ضد الإيمان، وضد الإيمان لا يكون
مجامعا للإيمان..."
كما أن الأمة من السلف مجمعة على إيمان من
صدرت عنه كبيرة وعلى دخوله في زمن المؤمنين.
-مسألة
التكفير بالذنوب:
من
المسائل التي احتدم فيها النزاع بين الفرق الإسلامية ولها ارتباط وثيق بقضية
الإيمان مسألة التكفير بارتكاب كبيرة:
لقد
رأينا الإمام الأشعري- رحمه الله تعالى- في كتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف
المصلين" وهو يقدم للنشأة الفرق الإسلامية أن الإسلام يتسع ليشمل جميع الفرق على
الرغم من الاختلافات العديدة بينها التي تصل إلى حد الشذوذ فيقول: "اختلف
الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة، ضلل فيها بعضهم بعضا، وبرئ
بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين، وأحزابا متعارضين، إلا أن الإسلام يجمعهم
ويشتمل عليهم".
لقد
أعلن الإمام الإمام الأشعري كما أعلن الإمام أبو حنيفة من قبل أن الإيمان هو
التصديق بالله تعالى، وهذا المعنى أفاده إجماع أهل اللغة، ومن وراء هذا التحديد
اللغوي مقاصد عقدية تتمثل أساسا في اعتبار الفاسق من أهل القبلة مؤمنا بإيمانه،
فاسقا بفسقه وكبيرته، مخالفة لتيار الاعتزالي الذي جعله في منزلة بين المنزلتين،
وضدا على التيار الخارجي الذي قضى بتكفيره.
ويتفرع
على هذا الأصل مبداَن أساسيان في المذهب الأشعري:
الأول:
أن مرتكب الكبيرة مؤمن وليس بكافر كما يقول الخوارج.
الثاني:
أنه ليس ثمة منزلة بين الإيمان والكفرإذ "لو كان
الفاسق لا مؤمنا ولا كافرا، لم يكن منه كفر ولا إيمان، ولكان لا موحدا ولا ملحدا،
ولا وليا ولا عدوا، فلما استحال ذلك استحال أن يكون الفاسق لا مؤمنا ولا كافرا،
كما قالت المعتزلة.
وأيضا فإذا كان الفاسق مؤمنا قبل فسقه بتوحيده، فحدوث
الزنا بعد التوحيد لا يطال اسم الإيمان الذي لم يفارقه".
لقد عظم على الإمام الأشعري باعتباره رائدا روحيا كبيرا
لأغلب المسلمين تكفير المخالفين في الرأي من أهل القبلة فقرر في معرض عرضه لمذهب
أهل الحق والسنة بقوله: "وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه،
ما يلم يستحله، كالزنا والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين، كما دانت بذلك الخوارج
وزعمت أنهم كافرون، ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر، مثل الزنا والسرقة
وشرب الخمر وما اشبهها مستحلا لها غير معتقد لتحريمها كان كافرا".
وهذا الموقف سيتحول عند الإمام الأشعري إلى أصل من أصول
عقائد السلف الصالح المجمع عليها فيقرر بأن "السلف مجمعون على أن المؤمن
بالله تعالى وسائر ما ادعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به، لا يخرجه
عنه شيء من المعاصي، ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون
بسائر الشرائع، غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم...".
وفي عرضه لعقيدة أصحاب الحديث وأهل السنة يشير الإمام
الأشعري أيضا إلى أن من جملة ما اتفقوا عليه هؤلاء أنهم "لا يكفرون أحدا من
أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك من الكبائر،
وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا المعاصي".
ثم يقول في نهاية عرضه لعقيدة أهل الحديث أنه "بكل
ما ذكره من قولهم يقول به وإليه يذهب".
انتهت المقالة
والحمد لله رب العالمين
مصادر ومراجع اعتمدت عليها في صياغة المقالة وهي
كالتالي:
1-صحيح مسلم بشرح النووي، باب نقصان الإيمان بالمعاصي
1/45.
2-العقيدة النظامية للإمام الجويني، ص:252.
3-أبكار الأفكار في أصول الدين لسيف الدين الاَمدي 5/31.
4-مقالات الإسلاميين للإمام الأشعري، ص:1، ص:292، ص:297.
5-اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع للإمام الأشعري،
ص:154.
6-الإبانة عن أصول الديانة للإمام الأشعري، ص:26.
7-رسالة إلى أهل الثغر للإمام الأشعري، ص:274.

تعليقات
إرسال تعليق