Main menu

Pages

الكسب عند السادة الأشاعرة

 


المقدمة:

الحمد لله المتفرد بالجلال، والصلاة والسلام على من تحقق بالكمال، سيدنا أبي القاسم، وعلى آله وصحبه.

أما بعد،

فإن العقلاء من البشر، لا يجدون لأنفسهم مناصا من البحث في حقيقة الكون والحياة، وطلب الجواب عن أسئلة الوجود الملحة. ولقد نفر منهم طائفة استجابوا لدعوة الدين الحق بالتفكر والنظر، فأعملوا عقولهم، وقصروا جهودهم على الدرس الفلسفي العقدي، فكان منهم أئمة اقتفى الناس   آثارهم، كأبي الحسن الأشعري، الذي سار الناس على مذهبه من بعده في مشارق البلاد ومغاربها، وبرز من كل قطر من حمل لواء علم الكلام، ليعلم الناس دينهم، ويواجه أهل الكفر والبدع ليحفظ على المسلمين اسقرارهم النفسي في عقائدهم. وكان السبق في هذا الشأن للمشارقة، ومن أبرز أشاعرة المشرق الجويني والغزالي والاسفرييني وفخر الملة الرازي والشهرستاني وعضد الدين الايجي ....، الذين بدأ الدين والعلم من عندهم، لكن لم يلبث أن صار التفوق لعلماء الغرب الاسلامي في علوم المعقول والكلام والعقيدة، ومن أبرز أشاعرة الغرب الاسلامي ابن العربي المعافري والسلالجي والقاضي العياض اليحصبي والسنوسي والمكلاتي .....

ولقد أخترنا في عرضنا هذا، دراسة نظرية الكسب عند السادة الأشاعرة مع عرض أقوالهم واستشهادتهم، مع مقارنة أقوالهم مع مختلف الفرق الاسلامية، والعرض سوف يكون حسب التصميم التالي:

المحور الأول: مفهوم الكسب

المطلب الاول: الكسب لغة

المطلب الأول: قول الامام الاشعري في الكسب

المحور الثاني: آراء علماء الاشاعرة ومختلف الفرق في الكسب

المطلب الأول: آراء علماء الأشاعرة

المطلب الثاني: آراء الفرق الاسلامية

خاتمة

 

 

المحور الأول: مفهوم الكسب:

المطلب الاول: الكسب لغة:

كسب:  الكسب: طلب الرزق، وأصله الجمع. كسب يكسب كسبا، وتكسب واكتسب. قال سيبويه: كسب أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد. قال ابن جني: قوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت: عبر عن الحسنة بكسبت، وعن السيئة باكتسبت، لأن معنى كسب دون معنى اكتسب لما فيه من الزيادة، وذلك أن كسب الحسنة، بالإضافة إلى اكتساب السيئة، أمر يسير ومستصغر، وذلك لقوله عز اسمه: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها: أفلا ترى أن الحسنة تصغر بإضافتها  إلى جزائها، ضعف الواحد الى العشرة؟ ولما كان جزاء السيئة إنما هو بمثلها لم تحتقر إلى الجزاء عنها، فعلم بذلك قوة فعل السيئة على فعل الحسنة، فإذا كان فعل السيئة ذاهبا بصاحبه إلى هذه الغاية البعيدة المترامية، عظم قدرها وفخم العبارة عنها، فقيل: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فزيد في لفظ فعل السيئة، وانتقص من لفظ فعل حسنة، لما ذكرنا. وقوله تعالى: ما أغنى عنه ماله وما كسب: قيل: ما كسب، هنا، ولده، وإنه لطيب الكسب والكسبة والمكسبة والكسبية، وكسبت الرجل خيرا فكسبه وأكسبه إياه، والأولى أعلى: قال:

 

                            يعاتبني في الدين قومي، وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا

 

ويروى: تكسبهم، وهذا مما جاء على فعلته ففعل، وتقول: فلان يكسب أهله خيرا. قال أحمد بن يحيى كل الناس يقول: كسبك فلان خيرا، الا ابن الأعرابي، فإنه قال: أكسبك فلان خيرا. وفي الحديث: أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه. قال ابن الأثير: إنما جعل الولد طلبه، وسعى في تحصيله: والكسب: الطلب والسعي في طلب الرزق والمعيشة، وأراد بالطيب هاهنا الحلال، ونفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان محتاجين عاجزين عن السعي، عند الشافعي: وغيره لا يشترط ذلك. وفي حديث سيدتنا خديجة رضي الله عنها: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم. قال ابن الاثير: يقال كسبت زيدا مالا، وأكسبت زيدا مالا، أي أعنته على كسبه أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فتريد أنك تصل إلى كل معدوم، وتناله فلا يتعذر لبعده عليك، وإن جعلته متعديا إلى اثنين فتريد أنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندهم، وتوصله إليهم. قال: وهذا أولى القولين لأنه أشبه بما قبله في باب التفضل والانعام، إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالا كان معدوما عنده، وإنما الإنعام أن يوليه غيره. وباب الحظ والسعادة في الاكتساب، غير باب التفضل والإنعام. وفي الحديث: أنه نهى عن كسب الإماء، قال ابن الأثير: هكذا جاء مطلقا في رواية أبي هريرة، وفي رواية ابن رافع بن خديج مقيدا حتى يعلم من أين هو، وفي رواية أخرى: إلا ما عملت بيدها، ووجه الاطلاق أنه كان لأهل مكة والمدينة إماء، عليهن ضرائب، يخدمن الناس، ويأخذن أجرهن، ويؤدين ضرائبهن، ومن تكون متبذلة داخلة خارجة وعليها ضريبة فلا يؤمن أن تبدر منها زلة، إما الاستزادة في المعاش، وإما لشهوة التغلب، أو لغير ذلك، والمعصوم قليل، فنهى عن كسبهن مطلقا تنزها عنه، هذا إذا كان للأمة وجه معلوم تكسب منه، فكيف(1) إذا لم يكن لها وجه معلوم، ورجل كسوب وكساب، وتكسب أي تكلف الكسب. والكواسب: الجوارح. وكساب: اسم للذئب، وربما جاء في الشعر كسبيا. قال الأزهري: كساب اسم كلبة، وفي الصحاح: كساب مثل قطام، اسم كلبة. ابن سيده: وكساب من أسماء إناث الكلاب، وكذلك كسبة، قال الأعمش:

ولز كسبة أخرى، فرعها فهق

 

وكسيب: من أسماء أيضا، وكل ذلك تفؤل بالكسب والاكتساب. وكسيب: اسم رجل، وقيل: هو جد العجاج لأمه، قال له بعض مهاجيه، أراه جريرا:

 

                 يا ابن كسيب! ما علينا مبذخ   غلبتك كاعب تضمخ

المطلب الثاني: قول الإمام الأشعري في الكسب:

يستند الامام الاشعري في مسألة أفعال العباد إلى قضية أساسية يرى أن المسلمين قد أجمعوا عليها وهي: ما شاء الله أن يكون كان، وما لا يشاء لا يكون. يقول الأشعري:

"وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون، و إلى ماهم صائرون. وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون" (2)

وهذه القضية جعلته ينظر إلى مشكلة الجبر والإختيار من زاوية المشيئة الإلهية لا من زاوية التكليف والجزاء.

وقد هاجم الأشعري موقف المعتزلة من المشكلة:  إنكم زعمتم أنه قد كان في سلطان الله

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)                 لسان العرب، ص63

(2)                 اللمع للأشعري، ص98

----------------------------------------------------

عز وجل الكفر وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعين فلم يؤمنوا، فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان، لأن الكفر الذي كان-وهو لا يشاء الله عندكم- أكثر من الايمان الذي كان وهو يشاء، وأكثر ما شاء الله يكون لم يكن....لقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين، لأن الكفر أكثر من الإيمان، وكثيرا مما شاءه إبليس أن يكون كان.

و إرادة الله كعلمه، وكما أنه جميع المعلومات فلا يجوز أن يحدث في الكون ما لا يعلمه الله –كي لا يتصف الله بالجهل- كذلك لا يجوز أن يقع شيء على غير إرادته حتى لا ينسب إليه تعالى السهو والغفلة وأن يوصف بالعجز والضعف، فكما لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، كذلك لا يخرج عن قدرته شيء، فالله مريد لكل ماهو واقع في العالم خيرا أو شرا.

هكذا التزم الأشعري بموقف المعارضة للمعتزلة في حرية الإرادة دون المجبرة في قولهم في الجبر، على أن ذلك لا يعني أنه ناصر القائلين بالجبر، إذ فرق بين الأفعال الإضطرارية والأفعال الاختيارية، الأولى تقع من العباد وقد عجزوا عن ردها. والثانية يقدر عليها العباد غير أنها مسبوقة بإرادة الله حدوثها واختيارها، وبهذه القدرة الحادثة يكتسب الإنسان أفعاله، فالفعل المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة. فإذا أراد العبد الفعل وتجرد له- أي لم يشغل نفسه بفعل سواه- خلق الله له في هذه اللحظة قدرة على الفعل مكتسبة من العبد مخلوقة من الرب، فيكون الفعل خلقا وإبداعا وإحداثا من الله وكسبا من العبد لقدرته التي خلقها الله له وقت الفعل، فالحركتان الإضطرارية والاختيارية وقعتا من جهة الله خلقا وهما يفترقان في باب الضرورة والكسب، ولكنهما يستويان في باب الخلق. وإذا كان الله قد خلق فينا قدرة على الفعل فهو على هذه أقدر، كما أنه إذا خلق فينا القدرة على العلم فهو به أعلم، وحركتا الاضطرار والاختيار موقوفتان على اختياره تعالى فإن اختارهما كانت، وإن لم يخترهما لم يكونا.

ويعترض المعتزلة على هذا ويقولون: إذا كان الحكم في الحركتين واحدا وتتوقف الحركتان على إرادته تعالى فلماذا اختلفت التسمية؟

ويرد الأشعري: ليس من الضروري أن تنسب إلى الله الأفعال التي يخلقها لغيره، فهو يخلق الحركة ولا يسمى متحركا لأنه خلقها حركة لغيره، وإنما يسمى العبد متحركا، كذلك يخلق الله أفعال العباد ويكون الأخير مكتسبا له. وليس أدل على أن الأفعال مخلوقة لله.

وأن الله هو الفاعل الحقيقي لها. وما الإنسان إلا مكتسب لها: أي لو كان الإنسان هو الفاعل حقا لأفعاله لأتت على نحو ما يشتهيه ويقصد، يريد الكافر أن يكون كفره حسنا وصوابا، ويريد المؤمن ألا يكون في إيمانه مجهدا-حفت الجنة بالمكاره- ولكن الأمور لا تسير على ما يشتهي المؤمن ويقصد الكافر، ولما كان الفعل لا يحدث حقيقة إلا من محدث أحدثه قاصدا إليه، فقد وجب أن يكون محدث الفعل هو الله رب العالمين. (3)

الإنسان ليس حرا بإطلاق، وليس جبرا محضا، وإنما العدل كما ذهب أبو الحسن الأشعري هو المذهب المتوسط بينهما.

 

وهكذا يؤدي قول الأشعري إلى أن الله هو الذي قضى المعاصي وقدرها بأن خلقها وكتبها وأخبر عن كونها، فيكون كفر الكافر بقضاء الله وقدره، ولم يحدث الكافر لنفسه الكفر، ولكن الأشعري يتراجع عن مذهب الجبر المحض وإن أدى مذهبه إلى ذلك. فيذهب إلى أنه لا يصح أن يقول إن الله رضي للكافرين الكفر لأن الله نهانا عنه، وإنما نطلق القول فنقول بالرضا بقضاء الله وقدره(4).

 

ويتضح موقف الأشعري بالرد على سؤالين:

  • هل الاستطاعة تسبق الفعل أم تصاحبه؟
  • هل تكون القدرة قدرة على الفعل وضده، أم قدرة على الفعل فقط؟

 

أما الاستطاعة فهي عند الأشعري مصابة للفعل لأنه عنده عرض، لا يبقى زمانين، ومن ثم فإن الله يخلق الاستطاعة في العبد عند قيامه بالفعل، ولكن أليست الاستطاعة راجعة إلى أحوال الإنسان من صحة البنية وسلامة الجوارح اللازمة لأداء الفعل، وهذه ملازمة للإنسان قبل الفعل وعنده؟ لا يشترط الأشعري هذه الأحوال وإنما يقترن وجود الفعل بوجود الاستطاعة.

 

وينفي أبو الحسن الأشعري أن تكون القدرة على الشيء وضده، لأن من شرط القدرة الحادثة وقت الفعل أن يلزم في وجودها وجود مقدورها، إنه لو قدر الإنسان على الشيء وضده لكان معنى ذلك في رأيه أنه يجب وجودهما معا في وقت واحد، بذلك يكون الإنسان مطيعا عاصيا في وقت واحد، لماذا لا ينسب الفعل صراحة إلى الله بعد ذلك ما دام هو الخالق الفاعل المحدث له؟

 

يرد أبو الحسن الأشعري أن الفعل المكتسب لا يستند إلى الله مع أنه خالق له، إذ لا يضاف إلى الموجود ما يضاف إلى المكتسب، فالعبد كاتب أو قائم أو قاعد مع أن الله خلق له ذلك وأراده، لأن الله يريد الفعل خلقا ويريده العبد كسبا، فجهتا الإرادة مستقلتان ومن ثم جاز اجتماعهما جميعا على مراد واحد من غير تعارض.

 

ويستدل أبو الحسن الأشعري على خلق الله لأفعال الإنسان بقوله تعالى: "والله خلقكم وما تعلمون(5) ولكن في ذلك خروجا بالآية عن معناها، فآيات القرآن تفسر في ضوء ما قبلها وما بعدها، والآية التي قبلها استنكار في إبراهيم لعبادة قومه الأوثان: "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون(6). أي أن الله خلقكم وخلق ما تنحتون من حجارة.

 

ولنستعرض بعض الآيات التي تتسق مع مفهوم الكسب في نظريته:

  • قوله تعالى: "ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم(7).
  • وقوله تعالى: "أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب(8).
  • وقوله تعالى: "ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (9).
  • وقوله تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت(10).

 

وكل هذه الآيات تؤكد جانب نسبة الفعل إلى الإنسان، ومن ثم مسؤوليته عنه ومحاسبته على ما كسب أو اكتسب أو فعل.

 

وخلاصة ما ذكره أبو الحسن الأشعري من خلال كتابية "الإبانة" و"اللمع" نستنتج أن الكسب الأشعري ينتهي إلى أن للعبد إرادة وقدرة حادثة، فقدرة العبد مهمتها كسب الفعل، وقدرة الله مهمتها خلق الفعل وهكذا فإن الإنسان قد منحه الله قدرة كاسبة ليس لها تأثير في خلق الفعل، وإنما يفيض الله عليها هذه القدرة الحادثة فتكسب الفعل بقدرة الله تعالى، وهذا القصد أو العزم هو مناط التكليف والثواب والعقاب.

 

وفرق بين الكسب عند الأشعري، والخلق عند المعتزلة. فالخلق لا يستلزم صفة جديدة في الخالق والكسب يستلزم ذلك، بل يكتفي فيه إحاطة الكاسب بالمكسوب ولو من وجه (11)

 

 

 

 

 

(3)                 اللمع للاشعري، ص: 38-39

(4)                 اللمع للاشعري، ص: 47-46

(5)                 سورة الصافات /96

(6)                 سورة الصافات /95-96

(7)                 سورة البقرة /225

(8)                 سورة البقرة/ 202

(9)                 سورة البقرة / 281

(10)             سورة البقرة /286

(11)             الأشعري لحمود غرابة ص: 115

 

المحور الثاني: آراء علماء المذهب الأشاعرة ومختلف الفرق الاسلامية في الكسب:

المبحث الاول:  آراء علماء المذهب الاشعري في الكسب:

قال الشيخ عبد السلام اللقاني رحمه الله: "وإذا ثبت وجوب وجوب انفراده تعالى بالخلق والايجاد (فالخالق) أي: فالله تعالى لا غيره هو الخالق (لعبده) المراد منه كل مخلوق يصدر عنه الفعل عاقلا كان أو غيره، (وما عمل) أي: وخالق أيضا لسائر أفعاله الاختيارية، وأما الاضطرارية فهي مخلوقة له تعالى باتفاق أهل الحق وغيرهم، فالفعل مخلوق له تعالى وإن كان قائما بالعبد كالبياض القائم بالجسم بخلق الله تعالى و إيجاده...."(1)

وفي نفس السياق يقول الامام البيهقي:"ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان، والناس خالقي الأفعال، لكان خلق الناس أكثر من خلقه، ولكانوا أتم قوة منه، وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه، ولأن الله تعالى قال: "والله خلكم وما تعملون" فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل" (2)

وفي هذا يقال الامام السنوسي رحمه الله: "ومذهب أهل السنة والجماعة: وجود الأفعال كلها بالقدرة الأزلية فقط، مع مقارنة الأفعال الاختيارية لقدرة حادثة لا تأثير لها، لا مباشرة ولا تولدا" (3)، وفي شرحه على هذا الكلام قال: "والذي يعول عليه في تفسيره-أي الكسب- ولا يصح غيره، إذ هو الجاري على القواعد العقلية وعلى السنة وإجماع السلف الصالح، وما فسرنا به، وهو أنه عبارة عن تعلق القدرة الحادثة بالمقدور، في محلها، من غير تأثير.

فاحترزنا بقولنا: الحادثة، من تعلق القدرة القديمة، فلا يقال فيه كسب، بل هو اختراع.

واحترزنا بقولنا: بالمقدور في محلها-أي في محل القدرة- من الفعل الذي خرج عن المحل القدرة، كالرمي بالحجارة {.....} فهذه أفعال حادثة غير مكاسبة للعبد، لأنها خارجة عن المحل قدرته، إلا أنها لما كانت مخلوقة عند كسبه عادة، جرى فيها التكليف والثواب والعقاب.

واحترزنا بقولنا: من غير تأثير، مما تعتقده {القدرية مجوس هذه الأمة}(4)، من أن تعلق القدرة الحادثة بالأفعال إنما هو تعلق اختراع وتأثير، لا تعلق اقتران ودلالة على الأفعال"(5).

المبحث الثاني: آراء الفرق الاسلامية في أفعال العباد:

ينقل الشهرستاني عن جهم بن صفوان، أنه يقول في القدرة الحادثة:

"إن الإنسان لا يقدر على فعل، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازا كما ينسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشجرة وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، وأزهرت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك. والثواب والعقاب جبركما أن الأفعال جبر، وإذا ثبت الجبر فالتكليف جبر(6).

وهذا الجبر الخالص، حيث يعتبر الجهم فيه الانسان كالحيوان والجماد وينكر الاستطاعات وهي القدرة على الفعل.

ويقول البغدادي أن جهما كان يضيف الإجبار والإضرار إلى الأعمال، وينكر الاستطاعات، ويقول لا فعل ولا عمل لأحد غير الله، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى....(7).

واختلفت آراء المسلمين في هذه المعضلة، وتوزعت أنظارهم، فمن قائل بأن الانسان خالق لافعاله وهو قول المعتزلة، والى القائل بالجبر وهو قول الجهمية، ثم إلى قائل بالتوسط. والعدل هو المذهب بينهما الذي يتزعمه مؤسس المذهب الأشعري أبو الحسن الأشعري.واتجه كل فريق إلى القرآن الكريم يطلب منه تأييدا، فأهل الجبر أرادوا آيات تدعم مذهبهم كقوله تعالى: "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم" (8) وقوله تعالى: "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله" (9) وغيرهما من الآيات.

كما أورد القائلون باختيار آيات تؤيد اتجاههم كقوله تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة "(10).

(1)     إتحاف المريد في شرح جوهرة التوحيد لعبد السلام اللقاني، ص65

(2)     الاعتقاد للبيهقي، ص: 142

(3)     شرح المقدمات، ص: 81

(4)     سنن أبي داوود، باب القدر/مستدرك الحاكم، كتاب الايمان

(5)     شرح المقدمات، ص: 88-89

(6)     انظر بتفصيل "الملل والنحل" للشهرستاني: 1/113-114

(7)     أنظر بتفصيل "الفرق بين الفرق" للبغدادي، ص:138

(8)     سورة البقرة، 7

(9)     سورة الأعراف، 188

(10) سورة المدثر، 38

وكقوله تعالى: "من عمل صالحا فنفسه ومن أساء فعليها" (1). وقوله تعالى: "فمن اهتدى لنفسه من ضل فإنما اهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها" (2).

وهناك آيات توحي بدلالتي الجبر والاختيار معا كقوله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" (3).

وبرزت القدرية كطرف مناقض للجبرية بعد أن عصفت بالمسلمين أحداث جسام، وبدأ الناس منشغلين بهذه الكبائر المقترفة، وحملها بعضهم كالجبرية على اله سبحانه، معتقدين أن الانسان مسير وليس مخير.

ذلك ما دعا القدرية إلى القول بأن الله له قدر على أعماله، حتى يتوقفوا هذا السيل الذي طم من أولئك الذين يريدون حما معاصيهم على الله عز وجل. وقد ساعد على نمو هذا التيار الفكري، ما في القرآن من دعوة إلى التأمل والتدبر، وما اشتمل عليه من آيات تفيد الجبر والاختيار، وما توافد على المسلمين من آراء في هذا الشأن من الفلسفة اليونانية، ومناقشة الزرادشتية (4) والنصرانية في هذا الميدان، وشتى التيارات الثقافية الشرقية والغربية على السواء.

والجبرية –كما قلنا نقيض القدرية- وعلى رأسهم زعيمهم جهم بن صفوان الذي ارتأى أن الله لا يوصف بصفة يوصف بها خلقه، فكذلك لا يوصف الانسان بالفعل لأن الفعل والخلق من شؤون الله. وفي تحقيق الفعل للانسان يكون التشابه بين الخالق والمخلوق، ومستندهم العقلي، قوله تعالى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء" (5)  فإن الله أخبرهم أنهم يستطيعوا العدل، ومع هذا أمرهم بالعدل، وكذلك قوله تعالى: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" (6).

فلو لم يكن التكليف للعاجز جائزا لم يكن لهذا الدعاء معنى وفائدة.

ويصل جهم بآرائه إلى عد الثواب والعقاب من الجبر، وغني عن البيان أن التأويل  

الجبرية للنصوص فيه تعسف وتحكم لأن النصوص التي أوردوها لا تدل على الجبر

(1)     سورة فصلت، 46

(2)     سورة يونس، 108

(3)     سورة النساء، 79

المصادر الزرادشتية تقول: أن أهورمزدا هو إله النور وأهرمن هو إله الظلمة. والأول يفعل الخير ويريده، والثاني إله الشر وخالقه. والانسان الحر يفعل ما يشاء. وزرادشت يدعو الانسان إلى فعل الخير... أنظر بتفصيل: زرادشت الحكيم نبي قدامى الايرانيين لحامد عبد القادر  ص81

(4)     سورة النساء، 129

(5)     سورة البقرة، 286

(6)     أنظر بتفصيل "نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام" للدكتور النشار: 1/343 وما بعدها

الخالص، ولا تفيد أن الله نفى القدرة على العباد، وإنما تعني أن الإرادة الإنسانية تقدر على أشياء، وتعجز عن أخرى، وذلك شأن الفعل الإنساني، فهو مجموعة عوامل مشتركة، إذا نظرت إليه من حيث الأشياء وخلقه إياها حسبته حرا مختارا. وأما إذا لاحظته من حيث خالقه وهو الله، فقد قلت إن الله خالق الإنسان وأعماله.

ونتائج الفكر الجبري خطيرة على المجتمعات والأفراد، لأنها تصير الفرد لا قيمة له، والمجتمع الخشبة بين يدي الأمواج، وتزرع في النفوس التواكل والتواني.

وفي الجبر محو للتكليف، وهدم للشريعة، وإبطال لحكم العقل. ولا يمكن أن يتصور دور العقل والإنسان مسلوب الحرية. (1)

ويبدو أن فكرة الجبر كانت لها علاقة وثيقة بالواقع الاجتماعي، والصراع السياسي الذي جد في الصدر الأول، لأن السلطة الأموية قد تبنت هذا المذهب، وتصدرت للدفاع عنه، وأشاعته في مختلف الأوساط الخاصة لدى العامة.

وإذا كان الله هو خالق الأفعال الإنسانية كما تقول الجبرية، أي أن الإنسان مسير، وكل ما فعل مقدر، فالحاكم الظالم ليس مسؤولا عن أفعاله، ولا يستطيع أحد لومه، بل هو أداة الله التي تنقذ بواسطتها الإرادة الإلهية.

وروى القاضي عبد الجبار عن أبي علي الجبائي: "أن أول من قال بالجبر وأظهره، معاوية، وأنه أظهر أن ما يأتيه بقضاء الله، ومن خلقه، ليجعله عذرا فيما يأتيه، ويوهم أنه مصيب فيه، وأن الله جعل إماما وولاه، وفشا ذلك في ملوك بني أمية، وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان (2).

ويعارض الفكر الجبري في هذا القضية، المعتزلة الذين يؤكدون على أن من ينكر حرية الإنسان، وقدرته على تحديده مصيره لا يبرر سوى الاستبداد السياسي والاجتماعي في مختلف صوره.

فالإنسان بمقتضى العدل الإلهي، قد منح قدرة مستقلة، بها يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء من الأفعال، وأن الله يعلم أزلا ما سيكون منه، ومجازيه عدلا لما منحه من حرية عليه.

وقد استدل المعتزلة لإثبات دعواهم أن العبد خالق لأفعاله الإختيارية بأدلة منها:

أن بديهة العقل تفرق بين بعض الأفعال وبعضها الآخر: كما هو مشاهد في الفرق بين حركة المرتعش، وحركة الماشي. ومعنى هذا أفعال الإنسان على ضربين:

(1)     المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار: 4/8

(2)     شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص: 332

 

- الضرب الأول: ما يحدث قسرا عنه، ولا اختيار له فيه، وهي الأفعال الاضطراراية.

- الضرب الثاني: ما يحدث بإرادته واختياره وقصده، وهي الأفعال الاختيارية. ويوضح القاضي عبد الجبار هذا المعنى بقوله:

"الذي يدل على ذلك، أن نفصل بين المحسن والمسئ على إسائته، ولا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه وقبيحه، ولا في طول القامة وقصرها، حتى لا يحسن منا أن نقول للطويل لما طالت قامتك، وللقصير لما قصرت؟ كما يحسن أن نقول للظالم لما ظلمت؟ والكاذب لما كذبت؟ فلولا أن أحدهما متعلق بنا، وموجود من جهتنا باختلاف الآخر، و إلا لما وجب هذا الفصل، و لكان الحال في طول القامة وقصرها كالحال في الظلم والكذب (1).

ب-ولوكان الله خالقا لأفعال العباد، لقبحت بعثة الأنبياء، وللزم أن يكون الله فاعلا للقبائح لأنه هو خالق أفعال العباد، ومنها هذه القبائح (2).

د-ولو كان الله خالقا لأفعال العباد، لقال الكفار: كيف تدعونا إلى الإسلام، والله أراد منا الكفر وخلقه فينا، ولا يمكن الانفكاك عنه. لقالوا أيضا: أن ما يدعونا إليه فقد خلقه فينا.

فذلك مما لا نطيقه، ولا نتمكن منه (3).

ويلاحظ مما ذكر أن المعتزلة قد انصرف اهتمامهم إلى هذا الأصل، لما يكتسيه من أهمية بالغة في الحياة السياسية والاجتماعية. قال الشهرستاني: "واصل بن عطاء قرر القول بالقدر أكثر (4).

وأبو الحسن الأشعري لا يرتضي هذه المواقف الفكرية من خلق الأفعال.ذلك لأن ال إلانسان ليس حرا بإطلاق، وليس جبرا محضا، وإنما العدل كما ذهب أبو الحسن الأشعري هو المذهب الوسط بينهما بدليل قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" (5).

وقد سار الامام الغزالي على منهج الأشعري في مسألة أفعال العباد فهو يقول: "قد تحزب الناس في هذا أحزابا، فذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد {....} وذهب إلى المعتزلة إلى إنكار تعلق قدرة الله تعالى بأفعال العباد كالحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين، وزعمت أن جميع ما يصدر منها من خلق العباد واختراعهم، لا قدرة لله تعالى عليه بنفي إيجاد {....} فانظر الآن إلى أهل السنة كيف وفّقوا للسداد، ورشحوا للاقتصاد في الإعتقاد،

(1)     شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، ص:334

(2)     المصدر نفسه، ص:335.

(3)     الملل والنحل للشهرستاني: ص:1/47

(4)     المصدر نفسه: ص:50

(5)     سورة البقرة، 143

فقالوا: القول بالجبر محال باطل، والقول بالاختراع اقتحام هائل، وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد (6)، وهذا هو الكسب عند الأشاعرة، إثبات الاستقلال بالخلق لقدرة الله تعالى، ونسبة الكسب إلى قدرة البشر والحيوان.

الجواب عن بعض تمويهات المعتزلة:

ربما احتجوا بقول الله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" {سورة الذاريات، 56}.

فالجواب أن المعنى: ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة، وليس في الآية أنه لم يشأ أن يشركوا ويعصوا بدليل قوله تعالى "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين" {سورة ءال عمران، 178}.

فقوله تعالى { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} صريح في أنّ الله شاء أن يعصوا. أليس هذا في منتهى الصراحة في إثبات مشيئة الله لمعاصي العباد؟ وقوله تعالى {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} سورة المائدة، 41. من أصرح الصريح لإثبات مذهب أهل الحق أن الله شاء ضلالة الكفار ولم يشأ هدايتهم. واحتجت المعتزلة أيضا بقوله تعالى {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظّن وإنّ أنتم إلّا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} (سورة الأنعام، 148/149).

قالوا: فقد رد الله على المشركين قولهم {لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا} (سورة الأنعام، 148). فقد وبخهم الله على هذا القول لإثباتهم مشيئته لإشراكهم ولو كان حقا لما وبخهم عليه.

والجواب: أن الله لم يوبخهم على اعتقادهم أن إشراكهم بمشيئة الله وإنما وبّخهم لظنهم أن الله رضي لهم إشراكهم وأمرهم به كما قال تعالى في سورة الأعراف {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} وقد أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (سورة الزمر، 3}.

واحتجت المعتزلة أيضا بقوله تعالى {مّا أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (سورة النساء، 79}، قلنا: الجواب أن المراد بالحسنة هنا النعمة لا الطاعة وبالسيئة المصيبة لا المعصية بدليل قوله تعالى {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} (سورة النساء، 78} أي فليست الآية في محل النزاع بيننا وبينهم بل الآية في شأن الكفار الذين كانوا إذا رأوا خصبا وسعة عيش قالوا هذا

 

 

 

 

 

 

 

 

(6)     الاقتصاد في الاعتقاد، ص:67-69 بتصرف

من عند الله وإذا رأوا جدبا وقحطا قالوا هذا بشؤم دين محمد فرد الله عليهم وقال{قل كل من عند الله فنال هاؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (سورة النساء، 78}.

ونظيره قوله قوله في قوم موسى {وإن تصبهم سيّئة يطّيّروا بموسى ومن مّعه ألا إنّما طائرهم عند الله ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} (سورة الأعراف، 131).

ومعنى قوله {ومّا أصابك من حسنة فمن الله} (سورة النساء، 79} أي ما أصابك -يعني أيها الانسان- من نعمة فمن فضل الله. {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (سورة النساء، 79} أي ما أصابك من مصيبة فمن جزاء ذنبك عاقبك الله بها كقوله تعالى{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} (سورة الشورى، 30}.

قال المعتزلة أيضا المعاصي ليست واقعة بمشيئة الله وتقديره وخلقه بل بمشيئة العبد وخلقه واحتجوا بقوله تعالى{ولا يرضى لعباده الكفر} (سورة الزمر، 7}. قلنا الرضى والأمر غير المشيئة والتقدير والخلق فالله تعالى شاء وقدّر وقوع الكفر والمعاصي من العباد باختيارهم فوقعت بخلق الله وكسبهم فالله خالقها والعباد مكتسبوها.

وهو إن قالوا: كيف أمر الله الكافر بالايمان وشاء منه الكفر؟

قلنا: كيف أمره بالايمان وقد علم أنه سيكفر فإنه لا يؤمن أبد الدهر. فيقال للمعتزلي: هل يكون خلاف ما علم الله؟ فإن قال: يكون، فقد نسب الجهل إلى الله وذلك كفر. إن قال: لا يكون خلاف ما علم الله، فقد سلم، وهذا لا جواب لا محيص لهم عنه.

ولذلك قال الشافعي: "القدريّ إذا سلّم العلم خصم" (1)أي غلب وانقطع في المناظرة.

واكتفينا بايراد قول المعتزلة فقد  لأن الزيدية والأباضية والشيعة الامامية والعتزلية لهم قول واحد في أفعال العباد، الا أن الشيعة الامامية حصل في عقائدها بعض التطور لانها انتقلت من المذهب الاعتزالي إلى المذهب السينوي.

فكل هذه الأمور هي مجرد إلزامات، وهناك قاعدة ذهبية سطرها علمائها في كتبهم تقول: "لازم المذهب ليس بمذهب، ولهذا لا نكفر بالالزامات"

 

 

 

(1)     تشنيف المسامع لزركشي، 4/93

فائدة:

الابتداع هو الاختراع،فمن قال بهذه العقيدة فقد أخترع أمرا لم يكن موجودا قبله، ولهذا سمي مبتدعا، والقائلون بذلك هم بعض الفرق الاسلامية كالمعتزلة ومن تبعهم، فقد قالوا: إن الله تعالى أودع قوة في العبد، والعبد يخلق بهذه القوة أفعاله أي يوجدها من العدم، وليس الله هو الخالق لأفعال العباد، ولا تعلق لقدرة الله تعالى بأفعال العباد. فهذا الأمر إنما هو اختراع من المعتزلة، ولم يكن لهم سلف في ذلك، ولذلك سموهم أهل السنة بالمبتدعة، والابتداع هنا درجة أقل من الكفر، ولذلك فقد تم التفريق بين أصحاب القول بالطبيعة والعلة، وبين أصحاب القول بالقوة المودعة، وسبب التفريق أن من قال بالقوة المودعة فقد قال أيضا بإن الله متى شاء أن يزيل القوة من العبد فإنه قادر على ذلك، بخلاف أولئك، الذين اعتقدوا أن الطبيعة والعلة لازمة للوجود، فبهذا الفرق لم يكفر المحققون من أهل السنة المعتزلة، بل حكموا عليهم بالابتداع فقط.

ولكن بعض العلماء من أهل السنة قالوا بأن قول المعتزلة لا يفترق عن قول الفلاسفة والمجوس الذين اعتقدوا بوجود خالقين في الكون، خالق للخير وخالق للشر، وبناء على التسوية بينهم، فإن هؤلاء العلماء حكموا بكفر المعتزلة، والحق أن المعتزلة لا يكفرون للفرق الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.(1)

ومن المسلم به تاريخيا أن المسلمين اختلفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم اختلافات كثير(ضلل فيها بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين وأحزابا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم).(2)

والباحث المنصف يجب أن يستوعب وجهة نظر الجميع ليعرف الحق بعد ذلك ولا يعجل بالحكم بالكفر والضلال على أحد من أهل القبلة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته}. رواه البخاري(384)

والمسلم يحب أن يزيد عدد المسلمين لا عدد الكافرين. ولهذا امتاز أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية بعدم التسرع في الحكم بالكفر على غيرهم وإن قال عنهم غيرهم ما قال، فإن تكفير المسلم ليس أمرا سهلا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه}. رواه البخاري(6103) ومسلم(60).

والمتأمل في مذاهب المسلمين العقدية يجدها متفقة على القضايا الكبرى وهي: شهادة

 

 

 

(1)     حاشية على مختصر شرح الخريدة البهية وشرحها للامام أبي البركات أحمد ابن الشيخ الصالح محمد العدوي الأزهري الشهيير بالدردير، الحاشية للدكتور سعيد فودة، (كلام د. سعيد فودة)، ص:72

(2)     مقالات الاسلاميين وإختلاف المصلين للأشعري، ص1

أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن القرآن كلام الله المنزل على سيدنا محمد، وأنه منقول إلينا بالتواتر، ويجب اعتقاد ما فيه والعمل به، وهذا يكفي لاجتماع كلمة المسلمين، أما الخلاف ففي مسائل فرعية لا أقلل من شأنها لكن لا ينبغي تفريق صفوف المسلمين بسببها. (1)

إن اعتبار جميع أهل القبلة مسلمين لا يجوز تكفيرهم، فهذا أصل مهم عند الأشاعرة، ثم الإعلان عن تصويب المجتهدين في الفروع الذي يعني عدم تكفير أحد من أهل القبلة أيضا، إضافة إلى مسألة تكافؤ الأدلة التي تعني الاعتراف بقدر من الصواب في كل طرف من الطرفين المتقابلين يصححه التوسط الذي هو أساس المذهب الأشعري يجعل الفكر الأشعري الذي يمثل قمة التسامح الديني بإعلانه عن هذه المبادئ الأساسية منسجما تماما مع حياتنا الدينية المعاصرة وينفعها أجل النفع...(2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)     المختصر المفيد في شرح جوهرة التوحيد، لنوح القضاة الشافعي، ص:9

(2)     المجددون في الاسلام، أمين الخولي، ص: 13

الخاتمة:

تعرفنا في هذا البحث عن نظرية الكسب، وكيف أختلف فيه الفرق الاسلامية، وهذا الاختلاف يدل على مدى الحرية التي منحها الاسلام لأتباعه، ونخلص بعد هذا كله إلى نتائج، دونكم إجمالها:

-لا يخرج معنى الكسب في اللغة على معنى الرزق والتكسب والسعي.

- الأشعري توسط بين المذهبين الجبري والقدري في مسألة أفعال العباد، وأثبت قدرة الفعل للعبد وسماها الكسب، ولكن هذه القدرة لا تخرج عن الفعل الالهي.

-أتباع الأشعري فصلوا وردوا على الفرق الاسلامية في مسألة أفعاد العباد، وبينوا ضلال الفرقتين المعتزلة والجبرية.

-عدم تكفير الفرق الاسلامية بسبب الاختلاف بينها وبين أهل السنة، لأن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم.

نوصي طلبة العلم بالمزيد من البحث في هذه المسألة فهي تحتاج إلى مزيد من البحث.

 

                والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع:

(1)            القرآن العظيم

(2)            السنة النبوية الشريفة

(3)            الاقتصاد في الاعتقاد للامام  الغزالي، المكتبة العصرية-بيروت، الطبعة الأولى 1433هجرية/ 2012م.

(4)            الاعتقاد للامام البيهقي، المحقق: أحمد بن ابراهيم أبو العينين، الناشر دار الفضيلة، الطبعة الأولى، سنة النشر: 1420-1999

(5)            إتحاف المريد لجوهرة التوحيد للامام عبد السلام اللقاني، قام بخدمته والتقدم له: مكتب البحوث والدراسات في دار المعرفة، الدار البيضاء- المغرب 1437هجرية-2016م.

(6)            المجددون في الاسلام لأمين خولي، الهيئة المصرية العامة للكتاب- طبعة مكتبة الأسرة، 2017م.

(7)            نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام للاستاذ علي سامي النشار، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الأولى، 1397هجرية/1977م.

(8)            المختصر المفيد في شرح جوهرة التوحيد، تأليف: الشيخ نوح علي سليمان القضاة، دار الرازي عمان- الاردن، الطبعة الأولى، 1420هجرية-1999م.

(9)            لسان العرب لابن منظور، الناشر: دار صادر-بيروت، 2010م

(10)      مقالات الاسلاميين وإختلاف المصلين للامام ابي الحسن الأشعري، عني بتصحيحه هلمت ريتر، طبعة دار النشر فراتزشتاير بفيسبادن، الطبعة الثالثة 1980م.

(11)      حاشية على مختصر شرح الخريدة البهية وشرحها للامام أبي البركات أحمد ابن الشيخ الصالح محمد العدوي الأزهري الشهير بالدردير(ت:1201هجرية) رحمه الله، الحاشية للدكتور: سعيد فودة، طبعة الدار المبين للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، الطبعة الثالثة: 2016م.

(12)      تشنيف المسامع بجمع الجوامع المؤلف: محمد بن جمال الزركشي بدر الدين أبو عبد الله، المحقق: سيد عبد العزيز-عبد الربيع، الناشر: مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، سنة النشر: 1418هجرية-1998م.

(13)      الملل والنحل للامام الشهرستاني، المحقق: أحمد فهمي محمد، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، سنة النشر: 1413هجرية-1992م.

(14)      الفرق بين الفرق للامام عبد القاهر البغدادي، المحقق: محمد الخشت، الناشر: مكتبة ابن سينا، 2008م.

(15)      أبو الحسن الأشعري لمحمود غرابه،  من مطبوعات مجمع البحوث الاسلامية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 1393هجرية-1973م.

(16)      كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لأبي الحسن الأشعري تصحيح حمودة غرابة 92، المكتبة الأزهرية للتراث.

(17)      الأصول الخمسة المنسوب إلى القاضي عبد الجبار بن أحمد الأسد أبادي (320هجرية-415هجرية)، حققه وقدم له دكتور فيصل بدير عون الأستاذ بكليتي الآداب جامعة عين الشمس والكويت، لجنة التأليف والتعريب والنشر، 1998م.

(18)      شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، تحقيق: الدكتور فيصل بدير عون، من مطبوعات جامعة الكويت، سنة 1998م.

(19)      شرح المقدمات للامام أبي عبد الله السنوسي، تحقيق نزار حمادي، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى 2009م.

reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات