شرح البيت الثاني من منظومة إبن عاشر رحمه الله تعالى:
قال مولانا
عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله:
الحمد لله
الذي علمنا******من العلوم ما به كلفنا
الحمد لغة هو الوصف بكل
جميل، فمعنى: "الحمد لله" نثني على الله ونمدحه بألستنا على ما أنعم
علينا من النعم التي لا نحصيها من غير وجوب عليه.
وقال بعضهم في تعريف:
"الحمد لله"، هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل
والتعظيم، فمعنى قولنا الجميل الاختياري أي النعم التي أنعم الله بها على عباده من
غير أن يكون ذلك واجبا على الله، إذ إن الله عز وجل لا يجب عليه شيء بالمرة خلافا
للمعتزلة الذي أخطأوا في قولهم: "إن الله يجب عليه فعل الأصلح" وهذا
ضلال مبين، وأما قولنا على جهة التبجيل والتعظيم لإخراج ما كان من جهة التهكم، فقد
ورد في القرآن الكريم حكاية عن الملائكة أنها تقول لأبي جهل "ذق إنك أنت
العزيز الكريم" [سورة الدخان] أي يا من كنت تدعي العزة والكرم ذق العذاب.
ولأهمية التحذير من كلام
المعتزلة الفاسد في إيجاب ماهو الأصلح للعباد على الله نقول: لو كان الأمر كما
يقولون لما خلق الله غير المؤمن الفقير المعذب في الدنيا والآخرة ولما كان له منة
على العباد وإستحقاق شكر في الهداية وإفاضة أنواع الخيرات لكونها أداء للواجب،
ولما كان إمتنانه على النبي صلى الله عليه وسلم فوق إمتنانه على أبي جهل، إذ فعل
الله لكل منهما غاية مقدوره من الأصلح له فيما يدعي المعتزلة، ولما كان لسؤال
العصمةوالتوفيق وكشف الضراء والبسط في الخصب والرخاء معنى، لأن ما لم يفعله في حق
كل واحد هو مفسدة له يجب على الله تركه ولما بقي في قدرة الله بالنسبة إلى مصالح
العباد شيء إذ قد أتى الواجب ثم ما معنى وجوب الشيء على الله تعالى؟ إذ ليس معناه
إستحقاق تاركه الذم وهو ظاهر، ولا لزوم صدوره عنه بحيث لا يتمكن من الترك بناء على
إستلزامه محالا من سفه أو جهل أو بخل أو نحو ذلك. لأنه رفض لقاعدة الإختيار
وميل إلى الفلسفة الظاهرة العوار.....
وقد ذكر تاج الدين السبكي
في طبقاته عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله أنه ناظر أبا علي الجبائي رحمه الله:
فقال له والقائل الأشعري:
"وما قولك في ثلاثة مؤمن وكافر وصبي"
فقال الجبائي:
"المؤمن من أهل الدرجات والكافر من أهل الدركات والصبي من أهل النجاة"
فقال الأشعري: "فإن
أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟"
فقال الحبائي: "لا،
يقال له إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها".
فقال الأشعري: "فإن
قال أي الصبي التقصير ليس مني فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن".
قال الجبائي: "يقول
له الله: "كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن
تنتهي إلى سن التكليف".
فقال له الأشعري رضي الله
عنه: "فلو قال غير المؤمن يارب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي
مثله فأنقطع الجبائي".
وقوله: "الذي
علمنا" أي الذي وفقنا إلى تحصيل وتعلم هذا العلم، والتوفيق خلق القدرة على
الطاعة، فالموفق هو الذي خلق الله فيه القدرة على أداء ما أمره به واجتناب ما نهاه
عنه.
وقوله: "من العلوم
ما به كلفنا" أي ما كلفنا به من العلوم وأوجب علينا تحصيله وهو العلم الواجب
على كل مكلف، ويسمى أيضا الفرض العيني من علوم الدين، وهو فرض على كل مكلف بعينه
لأنه لا يتأتى للمكلف تأدية ما وجب عليه ولاجتناب ما حرم عليه إلا بهذا العلم.
إنتهى
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته

تعليقات
إرسال تعليق