مدخل إلى علم التصوف
يعد علم التصوف من العلوم الشرعية وشأنه شأن
باقي العلوم له مصطلحاته وأعلامه ومعاجمه ومفاتيحه ....، وللتعرف أكثر على هذا
العلم وفهمه على الوجه الصحيح، يجب أولا معرفة المفاتيح الأساسية التي ستساعدنا في
ذلك، فكتب حول هذا العلم الكثير ممن يمدحه ومن يقدحه واختلف في شأنه وفي شأن
أعلامه بين ممجد معظم وبين منتقد متهم، ولفهم هذا العلم يجب وضع جميع أحكامنا سواء
كانت معه أو ضده بين قوسين وأن نمتلك نوعا من التجرد المعرفي من أجل فهم هذا العلم
وفق ما خطه وكتبه أهله، والعوائق والصعوبات التي تحول دون معرفته، لكي نصل إلى
معرفة موضوعية منصفة لا قادحة ولا مادحة.
تعريف علم التصوف:
العلم هو طلب تحصيل معرفة بمعلوم، وهو مجال
إدراكي يسعى طالب العلم لأن يستوعبه في خصوصيته، وكل علم خصائص يمتاز بها من حيث
الموضوع والمنهاج والمصادر والمقاصد والأعلام....
والعلم باجمال هو مجالات متمايزة، فينقسم
إلى علوم طبيعية وعلوم إنسانية:
العلوم الطبيعية: يكون العلم فيها منفصل عن
الذات، كعلم الفلك والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا....وهذه العلوم تسمى أيضا
بالعلوم الحقة أو الموضوعية، بحيث أن الحقائق فيها لا تتغير بتغير الأزمنة
والأمكنة ولا تتغير بتغير الذات الدارسة، فمثلا 1+1=2 عند الصيني والأمريكي
والمغربي والفرنسي والمثقف وغير المثقف........فالحقائق إذن تكون أكثر موضوعية.
العلوم الانسانية: هو العلم الذي تمتزج فيه
الذات الدارسة بالموضوع فيكون الإنسان الدارس جزء من الموضوع، سيقول قائل أن علم
الطب أيضا يدرس الإنسان ويعتبره جزءا من دراسته ولا يدخل ضمن العلوم الإنسانية،
فالجواب هو أن علم الطب يتناول الإنسان باعتباره مادة فيزيولوجية، ولكن العلوم
الإنسانية تتناول الذات من الجانب الحسي وليس من الجانب الفيزيولوجي المادي، مثلا
علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ....
وتدخل العلوم الشرعية ضمن العلوم الإنسانية،
وتتميز العلوم الشرعية على باقي العلوم الإنسانية بأنها تتأسس بمحاورة العقل من
خلال الرجوع إلى الوحي، مثل علم التفسير وعلوم القرآن والفقه.... وضمن هذه العلوم
الشرعية يمكن أن ندرج علم التصوف، فعلم التصوف علم من العلوم الشرعية باعتباره
يستمد موضوعه ومعجمه ومناهجه ومقاصده من الوحي.
تعريف التصوف:
ولعل مشترك التعريفات التي عرف بها الصوفيون
"التصوف" جمعها الإمام أبو القاسم الجنيد البغدادي رحمه الله حيث قال:
"التصوف بتصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد
صفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق
بالعلوم الحقيقية، واستعمال ماهو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة والوفاء
لله على الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة (1)"، ولعل هذا أبلغ ما قيل في حد
التصوف وإن تعددت تعريفاته وكانت مختلفة في اللفظ والمبنى ولكنها متفقة في الغاية
والمعنى.
تعريف
علم التصوف باعتباره مركبا إضافيا:
هو علم شرعي من العلوم الشرعية التي تستمد
موضوعها ومعجمها ومقاصدها من القرآن والسنة، أو الأصول الوحيانية، ويشترط في
معرفته الذوق ويعطون مثال للمريدين "بالعسل" فيقولون مهما وصف لك
الإنسان العسل فلن تتعرف على حقيقته إلا عن طريق الذوق.
خصائص
علم التصوف:
يستمد علم التصوف موضوعه ومنهاجه ومقاصده من
الكتاب والسنة وأعمال السلف الصالح.
وهناك ميزة تفرد علم التصوف بها وهي التجربة
الذوقية، فمثلا لأخذ علم أصول الفقه يجب الرجوع إلى أمهات ومصادر علم الأصول، وأخذ
كذلك هذا العلم من شيوخه وحضور حلقاته وهكذا ولكي يصبح هذا الطالب
"أصوليا" لابد له الرجوع إلى المشايخ المتخصصة في الأصول، وهكذا في كل
العلوم سواء كان في علم الفرائض أو في علم النحو، ولكن علم التصوف يختلف عن هذه
العلوم بشيئين هو لابد من الاطلاع على الأمهات في علم التصوف ثم مصاحبة الشيخ وأضف
إلى ذلك التجربة الخاصة. والله أعلم
قال سيدي أبو مدين الغوث:
فقل للذي ينهى عن الوجد
أهله إذا لم تذق شراب
الهوى دعنا
فمفتاح هذه المعرفة العلم والذوق.
وعلم التصوف يصادفه مجموعة من الصعوبات التي قد تحيلنا دون معرفته سواء من
الذين غاب عنهم عنصر الذوق، أو الذين أساء إلى علم التصوف وحكموا على ظاهره دون
الرجوع إلى مصادره الأصلية، ودون الرجوع إلى الشيوخ، فمثلا
(لايمكن طلب علم الطب من أهل النجارة) وكذلك الشأن بالنسبة للتصوف لا يمكن طلبه
إلا من أهله، فهناك مجموعة من الأحكام صادرة عن أناس ليست لهم دراية لهذا العلم
وغاب عنهم عنصر الذوق.
من المصادر التي اعتمدت عليها في صياغة هذه المقالة:
(1) كتاب
التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، دار النشر الخانجي
بالقاهرة، الطبعة الأولى، الصفحة 9.
انتهى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعليقات
إرسال تعليق