فوائد مالكيّة: **
طلع على منظور تصفّحي على الفيسبوك منشور لأحد الإخوة يقول فيه: *(إذا شكّكت في طهارتك فأنت على وضوء
أخطأ مالك! فقال يعيد وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد لا يعيد ..)*
--------------------------------------
تعليق:
هذا التصرّف في الحقيقة يدلّ على عدم اطّلاع على أدلّة المالكية في المسألة وكيفيّة فهمهم للدّليل الذي بنوا عليه هذا القول.
والأجدر به أن يقول: خالف مالك ، أو يرجح ما رآه راجحا .
أما كلمة أخطأ فليست من لغة العلم في هذه المسألة وليس موضعها.
ففرق بين أن تقول بترجيح مذهب لظهور دليله وقوّته وبين أن تقول أخطأ فلان في مسألة متعلّقة بفقه الدّليل واختلاف الاستنباط من الدّليل، وبين مخالفة فلان لصريح الدّليل ووضوحه او اشتهار صحّته.
وسأذكر شيئا يسيرا يتعلّق بأحد أدلّة المالكيّة في هذه المسألة من باب الفائدة والإفادة، وكيفيّة مناقشتهم لأدلّة الجمهور
مثال:
رجل توضّأ فصلّى الظّهر... فلمّا أراد أن يصلّي العصر طرأ عليه شكّ هل لايزال على طهارة أم أحدث؟
المشهور من قول الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة..) أنّ الأصل بقاء الطّهارة يعني (يقين) والشّك طارئ
فلا يزول اليقين بالشّك.
واستدلّوا بحديث: *(عبّاد بن تميم عن عبد الّله بن زيد بن عاصم المازني رضي الّله عنه قال: شُكي إلى النّبي صلّى الّله عليه وسلّم الرّجلُ يخيّلُ إليه، أنّه يجدُ الشّيء في الصّلاة، فقال: < لا ينصرفُ حتّى يسمع صوتا، أو يجدَ ريحاً >.
قالوا: فهذا الحديث أصل في إعمال الأصل وطرح الشّك.
وهو كذلك، ومنه استنبطوا قاعدة: *(اليقين لايزول بالشّك)
وهي من القواعد الفقهية الكبرى المتّفق عليها .
وإنّما قد يختلف في استعمالها كما هو الحاصل في هذا المسألة
وأما مالك رحمه الله فيقول كما جاء عنه في المدوّنة (1/38):
قال سحنون، قلت لابن القاسم : أرأيت من توضأ فأيقن بالوضوء ثم شك بعد ذلك فلم يدر أحدث أم لا وهو شاك في الحدث ؟
قال : إن كان ذلك يستنكحه كثيرا فهو على وضوئه وإن كان لا يستنكحه فليعد وضوءه وهو قول مالك ، وكذلك كل مستنكح مبتلى في الوضوء والصلاة ." اهـ
إذا فمالك عنده تفريق بين من استنكحه الشّك وبين الذي لايستنكحه إنّما طرأ عليه مرّة مثلا.
طيّب مادليلكم يا مالكيّة على ذلك وقد استدلّ عليكم الجمهور بحديث وقاعدة متفق عليها (اليقين لايزول بالشّك)
يجيبك المالكيّة: دليلنا هو نفس دليلكم وزيادة.
قالوا: إذا نظرتم لمجرد قاعدة اليقين لا يزول بالشّك ،فعندنا قاعدة منها أيضا وهي: أن الذمّة العامرة بيقين لا تبرأ إلّا بيقين.
أي الذمّة العامرة بوجوب الطهارة التي هي شرط للصلاة) لا تبرأ إلا بيقين.
فلاينبغي له الدّخول إلى الصّلاة إلّا بيقين .
لأنّه وإن كان الأصل بقاء الطّهارة فإن الأصل بقاء الصّلاة في ذمّته
فأنتم احتطتم في الوسيلة التي هي الوضوء ونحن احتطنا في المقصد وهو الصّلاة ،والاحتياط في المقاصد أولى من الاحتياط في الوسائل.
إضافة إلى أنّه لم يكتف المالكية رحمهم الّله مجرّد النّظر إلى جزء واحد من الحديث التي تدلّ عليه القاعدة كما هو اعتماد الجمهور وإنّما نظر إلى أجزاء الحديث وألفاظه كلّه.
فنظروا إلى قول الرّاوي: لفظ: (شُكِيَ)!
ولهذا قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم:
*(هذا حكم الشّاك في الحدَث المستنكح بلا خلاف، لأنّه قال:(أنه شكا إليه)، وهذا لايكون إلّا ممّن تكرّر عليه وكثر.)*
وهذه حجّة قويّة لأنّه لا يشتكى من الشّيء إلّا إذا كان متكرّرا ، ولهذا قال مالك: (إن كان يستنكحه كثيرا فهو على وضوءه) . ما أجمل هذا الاستنباط!
ونظر بعضهم أيضا إلى لفظة *(في الصّلاة) وفي ظرفية
والقاعدة: *أن مورد النّص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم، فالأصل يقتضي اعتباره وعدم اطّراحه*
قالوا: وهذا الحديث يدلّ على اطّراح الشّك إذا وجد (في) الصّلاة.
ونظروا أيضا إلى صرف النبيّ صلّئ الّله عليه وسلم ذلك الرّجل أن يخرج من الصّلاة بالشّك فقالوا وكذلك لا ندخله إليها بالشّك .
وقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن ربّ العالمين عند ذكره لفصل (استصحاب الأصل المثبت للحكم الشّرعي)، في بيان قوّة حجّة مالك في إعمال هذه القاعدة فقال:
*(مثاله أن مالكا منع الرجل إذا شك هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة فإن الأصل بقاء الصلاة في ذمته فإن قلتم لا نخرجه من الطهارة بالشك قال مالك ولا ندخله في الصلاة بشك فيكون قد خرج منها بالشك فإن قلتم يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك قال منازعهم ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك قالوا والحديث الذي تحتجون به من أكبر حججنا فإنه منع المصلي بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقنة أن يخرج منها بالشك فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك
قال القرافي المالكي رحمه الله:
ما ذهب إليه مالك راجح لأنه احتاط للصّلاة وهى مقصد وألغى الشك في السبب المبرئ وغيره احتاط للطهارة وهى وسيلة والغى الشك في الحدث الناقض لها والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل وجوابه
(الفتح _1/210)
والمسألة طويلة ونقاشها ممتع وللمالكية فيها أقوال منها ما هو موافق للجمهور ومنها ماهو تفريق بين الصلاة وخارجها ولمخالفيهم فيها ردود وحجج قوية وهكذا.
فالشّاهد أن نعرف لأهل العلم فضلهم وقدرهم وألّا نتسرّع في إغماق وإغلاق اختياراتهم بسهولة وتهيين دون معرفة أدلّتهم .
وأخصّ بهذا المذهب المالكي الذي أصبح في أذهان البعض كأنّه أراء فارغة واختيارات بعيدة إلى آخر التصوّرات التي جعلت بعض من يُقدَّم و يَحسن اعتناءهم بهذا الثّرات وفقهه وخدمته بالطّريقة السّلفية الحقّة.
والّله تعالى أعلم
والحمد للّه ربّ العالمين.
كتبه أبو سلمان حمزة المغربي
تعليقات
إرسال تعليق