قال مولانا عبد الواحد ابن عاشر رحمه
الله:
وبعد فالعون من الله المجيد*****في نظم أبيات للأمي تفيد
وبعد،
أي وبعد هذه الافتتاحية التي تضمنت البسملة حمد الله والصلاة والسلام على رسوله
الكريم، {فالعون من الله المجيد}، أي أن المؤلف رحمه الله يطلب العون من الله أي
أن يمكنه الله من نظم هذه الأبيات ويوفقه لذلك. ومعناه أن يخلق الله له الأسباب
التي تعينه على مراده، وهذا العون الذي هو بمعنى الخلق لا يجوز طلبه إلا من الله
سبحانه وتعالى، وهذا معنى قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة]، أي أن
الله تعالى وحده هو المستحق لأن يتذلل له نهاية التذلل، وهو الذي يطلب منه العون
على فعل الخير ودوام الهداية. وتفيد هذه الآية أنه يستعان بالله الاستعانة الخاصة
أي أن الله يخلق للعبد ما ينفعه في أمور دينه ومعيشته. وليس المعنى أنه لا يستعان
بغير الله مطلق الاستعانة بدليل ما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه:
{والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه}.
وقد
طلع علينا في هذا الزمان أناس يضللون من يستعين أو يتوسل أو يستغيث بغير الله
سبحانه وتعالى زاعمين أن من فعل ذلك يكون عبد غير الله تعالى ووقع في الشرك فتراهم
يخرجون الناس من الدين، خاصة المستغثين بالرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره، وسبب
ذلك جهلهم بدين الله وأتباعهم لكلام بعض المفتونين المحرفين الذين زاغوا عن طريق
الحق وتكلموا في دين الله بما ليس لهم به علم، فحق عليهم الوصف الذي وصفهم به رسول
الله صلى الله عليه وسلم: {دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها} رواه
البخاري في جامعه.
وأعلم
أنه لا دليل حقيقي يدل على عدم جواز التوسل بالأنبياء والأولياء في حال الغيبة أو
بعد وفاتهم بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله، لأنه ليس عبادة لغير الله مجرد نداء لحي
أو ميت ولا مجرد التعظيم ولا مجرد الاستغاثة بغير الله، ولا مجرد قصد قبر ولي
للتبرك ولا مجرد طلب مالم تجر به العادة بين الناس ولا مجرد صيغة الاستغاثة بغير
الله تعالى، أي ليس شركا ولا خروجا من الدين، لأنه لا ينطبق عليه تعريف العبادة
عند اللغويين، لأن العبادة عندهم الطاعة مع الخضوع.
قال
الأزهري الذي هو أحد كبار اللغويين في كتاب تهذيب اللغة نقلا عن الزجاج الذي هو من
أشهرهم: العبادة في لغة العرب: {الطاعة مع الخضوع} وقال مثله الفراء كما في لسان
العرب لابن منظور، وقال بعضهم: {أقصى غاية الخشوع والخضوع}، وقال بعض: {نهاية
التذلل} كما يفهم ذلك من كلام شارح القاموس مرتضى الزبيدي خاتمة اللغويين، قال
اللغوي الزجاج وهو من أشهر علماء اللغة: "قوله تعالى (إياك نعبد) معنى
العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع فمعنى (إياك نعبد): نطيع الطاعة التي يخضع
معها) وهذا الذي يستقيم لغة وعرفا.
وقد
أخرج الطبراني في معجميه الكبير والصغير عن عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى
عثمان بن عفان، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف
فشكى إليه ذلك، وقال: أئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك
وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى
لي ثم رح حتى أروح عنك. فأنطلق الرجل ففعل ما قال، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب
فأخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه على طنفسته، فقال: ما حاجتك؟ فذكر له
حاجته، فقضى له حاجته. وقال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ثم خرج من عنده
فلقي عثمان بن حنيف فقال: جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى
كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فقال: إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك، قال:
يا رسول الله إنه شق علي ذهاب بصري وإنه ليس لي قائد. فقال له: أئت الميضأة فتوضأ
وصل ركعتين، ثم قل هذه الكلمات، ففعل الرجل ما قال، فو الله ما تفرقنا ولا طال بنا
المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط، قال الطبراني في
معجمه: والحديث صحيح. ففيه دليل أن الأعمى توسل بالنبي في غير حضرته بدليل قول
عثمان بن حنيف: حتى دخل علينا الرجل، وفيه أن التوسل بالنبي جائز في حالة حياته
وبعد مماته.
إنتهى
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعليقات
إرسال تعليق