Main menu

Pages

الدرس الثامن عشر في شرح المرشد المعين في الضروري من علوم الدين لشيخ عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله

 


 قال الشيخ المالكي عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله

لو لم يجب وصف الغنى له افتقر****لو لم يكن بواحد لما قدر 

الشرح: 

أعلم أن معنى قيامه بنفسه هو استغناؤه عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى مخصص له بالوجود، فلو لم يكن سبحانه وتعالى قائما بنفسه مستغنيا عن كل ما سواه لكان محتاجا، والمحتاج لا يكون إلها، لأن المحتاج لا يكون قديم، والإله لابد أن يكون قديما

وقوله: "لو لم يكن بواحد لما قدر" 

معناه: لو لم يكن واحدا بل كان متعددا بأن كان معه إله أو أكثر لما قدر على إيجاد أي ممكن أو إعدامه ولكان عاجزا، والعجز عليه محال، فكونه غير محال محال. 

فلو كان للعالم صانعان وجب أن يكون كل واحد منهما حيا قادرا عالما مريدا مختارا، والمختاران يجوز اختلافهما في الاختيار لأن كل واحد منهما غير مجبر على موافقة الآخر في اختياره، وإلا لكانا مجبورين والمجبور لا يكون إلها، فإذا صح هذا فلو أراد أحدهما خلاف مراد الآخر في شيء كأن أراد أحدهما حياة شخص وأراد الآخر موته لم يخل من أن يتم مرادهما ولا يتم مراد الآخر، ومحال تمام مراديهما لتضادهما أي إن أراد أحدهما حياة شخص وأراد الآخر موته يستحيل أن يكون هذا الشخص حيا وميتا في آن واحد، وإن لم يتم مرادهما فهما عاجزان، والعاجز لا يكون إلها، وإن تم مراد أحدهما ولم يتم مراد الآخر، فإن الذي لم يتم مراده عاجز، والعاجز لا يكون إلها ولا قديما، وهذه الدلالة معروفة عند الموحدين تسمى دلالة التمانع، قال الله تعالى: {لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا} [سورة الأنبياء]

ويوجد غيرها من الأدلة على امتناع المشاركة في حق الله تعالى، فمن الأدلة على وحدانيته أن يقال: الواحد إما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافيا أو لا، فإن كان كافيا كان الآخر ضائعا غير محتاج إليه، وذلك نقص والناقص لا يكون إلها، وإن لم يكن كافيا فهو ناقص، والفاعل الواحد كاف، وما وراء الواحد فليس عدد أولى من عدد، فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها، وذا محال فالقول بوجود إلهين محال

ومن الأدلة أيضا أن يقال: لو كان هناك إلهين فإما أن يقدر أحدهما على أن يستر شيءا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلا، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزا.

وكذلك من الأدلة أن يقال: لو كان هناك إلهان وفرضنا معدوما ممكن الوجود، فإن لم يقدر واحد منهما على ايجاده، كان كل واحد منهما عاجزا، والعاجز لا يكون إلها، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلها، وإن قدرا جميعا، فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل محتاجا إلى إعانة الآخر، فيكون كل واحد منهما عاجزا، وإن قدر كل واحد منهما على ايجاده بالاستقلال، فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادرا عليه وهو محال لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلا لقدرة الثاني فيكون عاجزا ومقهورا تحت تصرفه فلا يكون إلها

فإن قيل: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته، فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزا

قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزا، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر، فكان ذلك تعجيزا

والله أعلم وأحكم 

ترقب الدرس الآخر في الأيام المقبلة إن شاء الله تعالى 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
reactions
author-img
مدونة هادفة وتحفيزية

تعليقات