شرح البيت الرابع والعشرين من منظومة مولانا عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله
قال الإمام عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله:
يجب للرسل الكرام الصدق****أمانة تبليغهم يحق
محال الكذب والمنهي****كعدم التبليغ يا ذكي
الشرح:
الجزء الثاني:
تنبيه:
يجب الحذر من
قول بعض الناس إن آدم كان مأمورا باطنا بالأكل من الشجرة منهيا ظاهرا كما في حاشية
الصاوي على الدردير، وهذا كلام لا معنى له، كيف يجتمع الأمر والنهي في شيء واحد.
ومما يجب
للأنبياء الصيانة فيستحيل عليهم الرذالة كاختلاس النظر إلى الأجنبية بشهوة وكسرقة
حبة عنب، وكذلك يستحيل عليهم السفاهة كالذي يقول ألفاظا شنيعة، وكذلك يستحيل عليهم
الجبن فالأنبياء هم أشجع خلق الله، وقد قال بعض الصحابة رضي الله عنهم: {كنا إذا
حمي الوطيس في المعركة نحتمي برسول الله صلى الله عليه وسلم}، فقد أعطى الله نبينا
قوة أربعين رجلا من الأشداء.
عصمة
الأنبياء فضل من الله ولطف بهم ولكن على وجه يبقى اختيارهم بعد العصمة في الاقدام
على الطاعة والامتناع عن المعصية وإلى هذا القول مال الشيخ أبو منصور الماتريدي،
وهو القول السديد وعليه الاعتماد إذ لولا ذلك لكانوا مجبورين في أفعالهم ومن كان
مجبورا على فعل الطاعة والامتناع عن المعصية لا يكون مأجورا في فعله وتركه.
وأما قوله
تعالى: {﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رّ۪ء۪ا بُرْهَٰنَ
رَبِّهِۦۖ}(سورة يوسف: الاَية 24) فقد قيل فيه نحو خمس تأويلات وأحسن مت قيل في
ذلك أن يقال: قوله تعالى: {وهمَّ بها} مربوط بما بعده ب {لولا أن رأى البرهان
ربّه} فيكون على هذا التفسير ما هم سيدنا يوسف بالمرة لأنه رأى البرهان، أما لو لم
ير البرهان لهمَّ، والبرهان هو العصمة أي أنه ألهم أن الأنبياء معصومون عن مثل هذا
الشيء وأنه سيؤتى النبوة فلم يهم، هذا أحسن ما قيل في تفسير هذه الاَية.
والخلاصة أن
الأنبياء لا يقعون في الزنى ولا يهمون به. وقال بعض العلماء المغاربة: "معنى
(ولقد همت به) أي همت بأن تدفعه ليزني وهم يوسف بدفعها ليخلص منها وهذا التفسير
شبيه بما ذكر اَنفا.
تنبيه مهم: إن مما يجب
للأنبياء التبليغ فكل الأنبياء مأمورون بالتبليغ وقد دل على ذلك قوله تعالى في
سورة الحج: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِےٓءٍ اِلَّآ
إِذَا تَمَنّ۪يٰٓ أَلْقَي اَ۬لشَّيْطَٰنُ فِےٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ اُ۬للَّهُ
مَا يُلْقِے اِ۬لشَّيْطَٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ اُ۬للَّهُ ءَايَٰتِهِۦۖ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٞ}(سورة الحج: 52) فمعنى تمنَّى في هذه الاَية تلا، ومعنى ألقى
الشيطان في أمنيته أي يزيد الشيطان على ما قالوه ما لم يقولوه ليوهموا غيرهم أن
الأنبياء قالوا ذلك الكلام الفاسد، وليس معناه أن الشيطان يتكلم على لسان النبي،
فقد قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله: {يكفر من قال إن الشيطان أجرى كلاما على
لسان النبي وهو مدح الأوثان الثلاثة: اللات والعزى ومناة بهذه العبارة: تلك
الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى، إذ يستحيل أن يمكن الله الشيطان من أن يجري
على لسان نبيه مدح الأوثان، وإيضاح هذه القضية أن الرسول كان يقرأ ذات يوم سورة
النجم فلما بلغ {أفرأيتكم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى}انتهز الشيطان وقفة
رسول الله وسكنته فأسمع الشيطان المشركين الذين كانوا يقرب النبي موهما لهم أنه
صوت النبي هذه الجملة: {تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى} ففرح المشركون
وقالوا ما ذكر محمد ءالهتنا قبل اليوم بخير، فحزن الرسول فأنزل الله هذه الاَية
تسلية له، قال تعالى: {وَمَنَوٰةَ اَ۬لثَّالِثَةَ اَ۬لُاخْر۪يٰٓ أَلَكُمُ اُ۬لذَّكَرُ وَلَهُ اُ۬لُانث۪يٰۖ} والصحيح
أن الله أزل الاَية المذكورة ءانفا لتكذيبهم فقوله تعالى: ﴿ فَيَنسَخُ اُ۬للَّهُ
مَا يُلْقِے اِ۬لشَّيْطَٰنُ 50﴾ {سورة الحج: الاَية 50} أي يكشف الله ويبين أنه
ليس من الأنبياء، وذلك ابتلاء من الله وامتحان ليتميز من يتبع ما يقوله الشيطان
ومن لا يتبع يحزن هذا ويسعد هذا.
وليس في قول
النبي صلى الله عليه وسلم: {فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى
قومه} (جامع الأحاديث للسيوطي) أن من سوى نبينا محمد لم يجب
عليه أن يبلغ من هم من سوى قومه إنما معنى أن الأنبياء غير نبينا أرسلوا إلى
أقوامهم أي أن النص لهم كان أن يبلغوا قومهم ليس معناه أنهم يبلغون سوى قومهم لأن
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل من استطاع من أفراد المكلفين وذلك في
حق الأنبياء أوكد.
انتهى
دعواتكم لنا بارك الله فيكم

تعليقات
إرسال تعليق